الصحراء بلوس- طانطان
بينما أسدل الستار على فعاليات الدورة التاسعة عشرة لموسم طانطان، المنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، عادت المدينة إلى واقعها اليومي، حيث تختفي أضواء المنصات الفنية وتخفت أصوات الموسيقى، لتظهر من جديد أسئلة التنمية والتهميش والبطالة وتدهور البنيات التحتية، في مدينة يبدو أن نصيبها من الاحتفالات أكبر بكثير من نصيبها من ثمار التنمية.
خمسة أيام من الاحتفالات والسهرات الفنية واستقدام الفنانين والفرق الموسيقية، واعتمادات مالية مهمة رُصدت لتنظيم التظاهرة، في مقابل واقع اجتماعي واقتصادي لا يزال يطرح أكثر من علامة استفهام حول الجدوى التنموية لهذه النفقات، ومدى انعكاسها على الحياة اليومية لساكنة الإقليم.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس حول نجاح السهرات أو عدد الفنانين المشاركين، وإنما حول الحصيلة الحقيقية لهذه التظاهرة: كم استفادت المقاولات المحلية؟ كم فرصة شغل أُحدثت؟ ما حجم المداخيل التي عادت على التجار والمهنيين؟ وما المشاريع التي تركها الموسم وراءه لفائدة المدينة؟
فطانطان، التي تجاوز عمرها سبعة عقود، لا تزال تواجه اختلالات بنيوية مؤلمة؛ من وضعية شبكات التطهير السائل، إلى الطرق والأزقة المهترئة، وضعف الإنارة العمومية، وغياب المساحات الخضراء والفضاءات الحضرية اللائقة، فضلاً عن الإشكالات التي تطبع العرض الصحي والاستشفائي.
وفي القطاع الصحي تحديداً، تطرح محدودية خدمات الإنعاش والتخدير والطاقة الاستيعابية لمرافق الاستشفاء أسئلة جدية حول حق الساكنة في العلاج والاستجابة للحالات الاستعجالية. كما أعادت وقائع التعامل مع جثامين ضحايا الهجرة غير النظامية القادمين من بلدان الساحل والصحراء النقاش حول قدرة مستودع الأموات على الاستجابة للحالات المتعددة في ظروف تحفظ كرامة الموتى وحقوق ذويهم.
إنها مفارقة لا يمكن تجاهلها: مدينة تستقبل الوفود والفنانين وتخصص لها ميزانيات للاحتفال، لكنها لا تزال تنتظر استكمال أبسط شروط المدينة الحديثة.
من موسم طانطان إلى سهرات المناسبات.. من يحاسب ومن يراقب؟
الأكثر إثارة للتساؤل أن اختتام موسم طانطان لم يكن نهاية للبرمجة الفنية، إذ أعقبته إعلانات عن برنامج جديد للسهرات والاحتفالات بمناسبة محطات وطنية، وفي مقدمتها ذكرى المسيرة الخضراء المظفرة.
وهنا تبرز إشكالية ترتيب الأولويات، ومدى تحول المناسبات الوطنية إلى غطاء لتوسيع الإنفاق على الحفلات والسهرات، دون تقديم حصيلة واضحة للرأي العام بشأن تكلفتها ومردوديتها.
فالمسيرة الخضراء ليست مجرد مناسبة لإقامة الحفلات واستقدام الفنانين، وإنما هي ملحمة وطنية تختزل معاني التضحية والوحدة والتلاحم بين العرش والشعب.
والوفاء الحقيقي لهذه الذكرى المجيدة لا يكون فقط بتنظيم السهرات ورفع الشعارات، وإنما بمواصلة مسيرة التنمية والنماء والإصلاح، وإطلاق إصلاحات كبرى تجعل المواطن يلمس ثمارها في المستشفى والشارع والمدرسة ومرافق المدينة وفرص الشغل.
فأي معنى للاحتفال بالمسيرة الخضراء في مدينة لا تزال بعض أحيائها تنتظر حقها في التطهير والطرق والإنارة؟ وأي رسالة يمكن أن تصل إلى الشباب العاطل حين يشاهد اعتمادات مالية مهمة تصرف على سهرات عابرة، بينما تظل المشاريع الاقتصادية والاستثمارية القادرة على توفير فرص الشغل محدودة؟
إن الإشكال ليس في الفن ولا في الاحتفال، وإنما في تحويل المناسبات إلى أولوية متقدمة على حساب المطالب التنموية الأساسية، وفي غياب الشفافية الكافية حول الاعتمادات المرصودة والصفقات والتعاقدات والنتائج المحققة.
ومن حق الرأي العام أن يعرف التكلفة الإجمالية للسهرات، ومبالغ التعاقد مع الفنانين، ونفقات الإقامة والتنقل واللوجستيك، والجهات التي تحملت هذه المصاريف، ومدى احترام قواعد الحكامة والشفافية في تدبيرها.
طانطان.. مدينة الشهداء خارج حسابات التنمية؟
إن الحديث عن طانطان ليس حديثاً عن مدينة عادية أو مجال ترابي هامشي، بل عن مدينة مغربية أصيلة، ذات تاريخ وطني ونضالي عريق، ارتبط اسمها بذاكرة المقاومة والحركة الوطنية ضد الاستعمار الاسباني ، وقدمت تضحيات جسيمة في سبيل استقلال الوطن ووحدته.
إنها مدينة الشهداء، ومدينة الانتماء الوطني الصادق، التي ظلت ساكنتها وفية لثوابت المملكة ومؤسساتها، ومن حقها اليوم أن تسأل عن أسباب استمرار الاختلالات التنموية التي تعيشها.
فأين وصلت البرامج التنموية التي أُعلنت على مدى السنوات الماضية؟ وما حصيلة الأموال التي رُصدت للإقليم؟ ومن يتحمل مسؤولية تعثر المشاريع أو عدم ظهور آثارها في الحياة اليومية للمواطنين؟
ولماذا لا تزال أزمة التشغيل تشكل أحد أكبر التحديات الاجتماعية بالإقليم؟ ولماذا لا تتحول المؤهلات السياحية والبحرية والثقافية والاقتصادية للمنطقة إلى فرص استثمارية حقيقية؟
إن شباب طانطان لا يحتاجون إلى مزيد من الوعود ولا إلى حفلات موسمية، وإنما إلى اقتصاد محلي منتج، ومقاولات قادرة على التشغيل، وتكوين مهني يستجيب لحاجيات السوق، وسياسات عمومية تفتح أمامهم آفاق المستقبل.
هل يعلم الملك محمد السادس بما يجري في طانطان؟
هنا نصل إلى السؤال الأكبر الذي ينبغي أن يطرح بكل مسؤولية ووضوح: هل تصل إلى الملك محمد السادس، نصره الله، حقيقة الأوضاع التنموية والاجتماعية التي تعيشها مدينة طانطان؟ وهل تصله الصورة الكاملة عن الفجوة بين حجم البرامج والاعتمادات المعلنة وبين واقع الساكنة؟
فالرعاية الملكية السامية التي يحظى بها موسم طانطان، والتوجيهات الملكية المتواصلة بشأن تنمية الأقاليم الجنوبية، ليست تفويضاً مفتوحاً لأي جهة لتدبير الشأن المحلي بمنطق المناسبات، بل هي مسؤولية مضاعفة تقتضي تحويل التوجيهات إلى نتائج ملموسة.
وإذا كانت الرعاية الملكية للموسم تشريفاً للمدينة وتراثها وساكنتها، فإن الوفاء الحقيقي لهذه الرعاية يقتضي صيانة الثقة الملكية، والحرص على أن تصل ثمار التنمية إلى المواطن، لا أن تظل رهينة البرامج الاحتفالية والتقارير الإدارية.
ومن هنا، فإن السؤال عن مسؤولية الفاعلين المحليين والإقليميين في تدبير الملفات التنموية لم يعد ترفاً إعلامياً، بل أصبح ضرورة تفرضها انتظارات الساكنة وحجم الاختلالات المطروحة.
لجنة لتقصي الحقائق.. مطلب لإنصاف طانطان
إن المرحلة الراهنة تستدعي التفكير الجدي في إيفاد لجنة مستقلة لتقصي الحقائق، أو إعمال آليات الرقابة والتفتيش المختصة، للوقوف على حقيقة الوضع التنموي بالإقليم، وتقييم حصيلة البرامج والمشاريع المنجزة والمتعثرة، والتدقيق في أوجه صرف الاعتمادات المالية المرصودة لمختلف التظاهرات والبرامج التنموية.
كما ينبغي أن يشمل هذا التقييم وضعية البنيات الصحية، وشبكات التطهير السائل، والطرق والإنارة العمومية، ومشاريع التأهيل الحضري، وبرامج التشغيل والاستثمار.
فالمطلوب ليس البحث عن كبش فداء، ولا تصفية الحسابات مع أي مسؤول، وإنما تحديد المسؤوليات على أساس الوثائق والوقائع، وإنصاف ساكنة ظلت تنتظر طويلاً حقها في تنمية حقيقية ومستدامة.
إن طانطان لا تطلب امتيازات استثنائية، وإنما تطالب بحقوق تنموية مشروعة، وبإدارة ترابية تجعل المواطن في صلب أولوياتها، وبمسؤولين يدركون أن تدبير الشأن العام أمانة وليس امتيازاً.
لقد حان الوقت للانتقال من سياسة تدبير المناسبات إلى سياسة صناعة التنمية، ومن اقتصاد السهرات إلى اقتصاد الاستثمار والتشغيل، ومن الوعود المتكررة إلى الإصلاحات الكبرى.
وإذا كانت ذكرى المسيرة الخضراء تستحضر مسيرة الأجداد نحو استكمال الوحدة الترابية، فإن الوفاء لروحها اليوم يقتضي مواصلة مسيرة التنمية والإصلاح، حتى لا يبقى المواطن في طانطان خارج ثمار التحولات التي تعرفها المملكة.
طانطان تستحق أكثر من السهرات.. تستحق تنمية حقيقية، وعدالة مجالية، وفرصاً للشباب، وكرامة لساكنتها.
وتلك هي أصدق رسالة وفاء للعرش والوطن، وللملك محمد السادس، نصره الله وأيده.



تعليقات الزوار ( 0 )