الصحراء بلوس من الداخلة :سكينة الشويعر
تشهد الأقاليم الجنوبية للمملكة حراكاً مدنياً متنامياً يهدف إلى استعادة صوت الساكنة وتمكينهم من المشاركة الفعلية في صياغة مستقبلهم، بعيداً عن محاولات بعض المنتخبين الحزبيين الانفراد بقرار تنزيل مشروع الحكم الذاتي واستثماره في سياقات انتخابية أو قبلية ضيقة. وفي هذا السياق، شهدت مدينة الداخلة، يوم السبت 6 دجنبر 2025، حدثاً بالغ الأهمية تمثل في انعقاد أول لقاء تواصلي تنظمه “المبادرة الصحراوية للتنمية المستدامة وحقوق الإنسان”، تفعيلاً لبرنامج سنوي يروم الانفتاح على مختلف الفاعلين المدنيين والاقتصاديين، وإطلاق نقاش واسع حول واقع التنمية بالصحراء المغربية وآفاقها في ظل التحولات السياسية والاقتصادية التي تعرفها المنطقة، تحت شعار: “الحوار سبيل لتجديد الوعي المجتمعي”.
وقد ترأست اللقاء السيدة كجمولة منت أبي، بصفتها رئيسة المبادرة، داخل قاعة الاجتماعات بغرفة التجارة والصناعة والخدمات بالداخلة، بحضور عدد من شيوخ القبائل الصحراوية وشيوخ تحديد الهوية، إضافة إلى فاعلين ثقافيين واقتصاديين واجتماعيين. ودعت كجمولة في كلمتها إلى ضرورة كسر جدار الصمت والمطالبة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية من داخل المؤسسات الدستورية، مؤكدة أن الوقت قد حان للانتقال من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل والشريك في تقرير السياسات العمومية بالجهات الجنوبية.
المتدخلون أجمعوا على أهمية الحفاظ على الثروات الطبيعية للمنطقة وضمان عدالة استغلالها لفائدة أبنائها شأنهم شأن باقي المواطنين بالمغرب، مبرزين أن جهات الصحراء ما تزال تتصدر مؤشرات البطالة وطنياً، خصوصاً في صفوف الشباب الجامعي وحملة الشهادات العليا، وهو ما يتعارض مع الإمكانيات الكبيرة التي تزخر بها المنطقة. كما ذكّر الحاضرون بكلام صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في خطابه التاريخي يوم 31 أكتوبر، الذي شدد فيه على أن “المغرب قبل الواحد والثلاثين أكتوبر ليس هو المغرب بعده”، في دلالة على مرحلة جديدة تتطلب انفراجاً حقوقياً واقتصادياً يواكب مغرب ما بعد عيد الوحدة، ويقلص الفوارق المجالية والاجتماعية التي ساهم تجاهلها سابقاً في بروز توترات ومطالب اجتماعية كان يمكن تفاديها بسياسات أكثر نجاعة وانفتاحاً.
وتأتي هذه الدينامية لتؤكد أن قضية الصحراء المغربية ليست مشروع حزب معين ولا غنيمة انتخابية يتقاسمها المنتفعون، بل هي قضية كل الصحراويين المغاربة الذين يحق لهم الدفاع عن حقوقهم وصون كرامتهم والمشاركة الكاملة في توجيه التنمية وترجمة مشروع الحكم الذاتي على أرض الواقع. فهي مبادرة تريد إعادة التمثيل الحقيقي إلى أصحابه من خلال إفساح المجال أمام الكفاءات المحلية والشباب والفاعلين المدنيين للمساهمة في اتخاذ القرار العمومي، انسجاماً مع روح الديمقراطية التشاركية التي يقوم عليها الاختيار الوطني.
إن هذا المنحى الجديد يشكل خطوة متقدمة نحو تجاوز منطق الاصطفافات القبلية والولاءات الضيقة، وتعويضه برؤية جماعية توحد الجهود خلف مشروع وطني أكبر يليق بتاريخ الصحراويين ونضالهم، ويؤسس لمرحلة يكون فيها صوت الساكنة هو المرجعية الأساسية في كل ما يتعلق بمستقبلهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي داخل وطنهم الموحد. فالمبادرة، كما عبّر منظموها، ليست احتجاجاً على الواقع بقدر ما هي بناء لمرحلة جديدة، جوهرها المشاركة والمحاسبة والعدالة المجالية، ورهانها تحويل الحكم الذاتي من وثيقة مرجعية إلى ممارسة محسوسة تُعيد الثقة وتفتح آفاق الازدهار للجميع





