الصحراء بلوس-فاطمة غزال
تُعتبر مدن الأقاليم الجنوبية فضاءً واسعًا للأمل والطموح، لكنها في الوقت ذاته تعكس واقعًا معقدًا يعيشه الشباب، حيث تتداخل الأحلام المشروعة مع الإكراهات اليومية، في ظل بطالة متزايدة وغموض يلف المستقبل، ما يدفع بالكثيرين إلى اتخاذ قرارات مصيرية، قد يكون أخطرها ركوب “قوارب الموت” بحثًا عن فرصة حياة أفضل خلف الضفة الأخرى.
و أصبحت ظاهرة الهجرة غير النظامية حديث الشارع الصحراوي، بعدما تحولت من حالات فردية معزولة إلى سلوك جماعي يعكس حجم الإحباط الذي يعيشه جزء من الشباب. فالشاب الذي نشأ في بيئة بسيطة، وتلقى تعليمه على أمل الاندماج في سوق الشغل، يجد نفسه فجأة أمام أبواب مغلقة، وعروض شغل محدودة، وفرص لا تتناسب مع تطلعاته ولا مع مؤهلاته.
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن معضلة البطالة التي باتت تؤرق فئة واسعة من الشباب. فبالرغم من المشاريع التنموية التي شهدتها الأقاليم الجنوبية، إلا أن آثارها لم تنعكس بشكل كافٍ على التشغيل، خاصة بالنسبة لحاملي الشهادات. كثير منهم يقضون سنوات طويلة في الانتظار، بين مباريات لا تفضي إلى نتائج، أو وظائف مؤقتة لا توفر الاستقرار.
هذا الواقع يخلق فراغًا قاتلًا داخل المدن الصحراوية، ليس فقط من حيث غياب الفرص، بل أيضًا من حيث هجرة طاقاتها الحية. فحين يهاجر الشباب، تفقد المدن روحها، ويضعف نسيجها الاجتماعي، ويُفتح المجال أمام تحولات ديمغرافية تثير تساؤلات حول مستقبل هذه الحواضر وهويتها.
ويشير عدد من الفاعلين المحليين إلى أن استمرار هذا النزيف البشري قد يؤدي إلى “تفريغ صامت” للمدن من أبنائها الأصليين، في مقابل تزايد توافد وافدين من مناطق أخرى، وهو أمر طبيعي في سياق التنمية والانفتاح، لكنه يصبح مقلقًا حين يكون نتيجة هروب جماعي للسكان الأصليين بسبب غياب البدائل.
وفي خضم هذا الوضع، تبرز مسؤولية مختلف المتدخلين، من مؤسسات عمومية، ومنتخبين، وفاعلين اقتصاديين، لإعادة الثقة إلى الشباب. فالمطلوب اليوم ليس فقط إطلاق المشاريع، بل ضمان وصول ثمارها إلى الفئات المستهدفة، وخلق فرص شغل حقيقية، وتشجيع المبادرات الذاتية، ودعم المقاولات الصغرى.
كما أن تأطير الشباب وتوجيههم، والاستثمار في التكوين المهني، وربط التعليم بحاجيات سوق الشغل، كلها عناصر أساسية للحد من هذه الظواهر. إلى جانب ذلك، يبقى من الضروري فتح نقاش مجتمعي صريح حول أسباب الهجرة، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة، لفهم الدوافع الحقيقية ومعالجتها بجرأة ومسؤولية.
إن شباب الصحراء لا يبحث عن المستحيل، بل عن فرصة كريمة للعيش داخل وطنه. فرصة تحفظ له كرامته، وتمنحه الأمل، وتجعله شريكًا في بناء مجتمعه بدل أن يكون ضحية لظروف تدفعه نحو المجهول.
ويبقى الأمل قائمًا، ما دامت الإرادة موجودة، في أن تتحول مدن الصحراء إلى فضاءات جاذبة لأبنائها، حاضنة لطموحاتهم، وقادرة على احتضان أحلامهم دون أن يضطروا إلى المجازفة بحياتهم في عرض البحر.




