البيجيدي… عودة من تحت الرماد هل ينفع خطاب الأخلاق بعد بلوكاج 2016 وصفعة 2021؟

هيئة التحرير3 ديسمبر 2025آخر تحديث :
البيجيدي… عودة من تحت الرماد هل ينفع خطاب الأخلاق بعد بلوكاج 2016 وصفعة 2021؟

الصحرء بلوس- فاطمة غزال

بعد سنوات من التراجع السياسي ونتائج انتخابية وُصفت بالأقسى في تاريخ حزب العدالة والتنمية، يعود الحزب اليوم إلى واجهة النقاش العمومي بخطاب هجومي حاد، محاولًا ترميم صورته وإعادة بناء سردية جديدة – قديمة – قوامها الأخلاق ومحاربة الفساد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تكفي العودة إلى “الخطاب الأخلاقي” لإحياء حزب فقد الكثير من بريقه منذ بلوكاج 2016 وصولًا إلى الهزيمة الثقيلة في انتخابات 2021؟

لم يكن ما تعرض له الحزب سنة 2016 مجرد أزمة تشكيل حكومة، بل لحظة مفصلية خلخلت بنيته الداخلية، وأضعفت رموزه، وفتحت الباب أمام انهيار تدريجي انتهى بسقوط مدوٍّ في 2021.

فالأزمة التي عُرفت بـ”البلوكاج” تركت آثارًا عميقة على قواعد الحزب وقيادته، وخلقت تناقضات داخلية بين من اعتبرها مؤامرة سياسية، ومن رأى فيها سوء تقدير من القيادة نفسها.

هذه السنوات الصعبة أثبتت للحزب أن القوة التنظيمية وحدها لا تكفي، وأن “الشرعية الأخلاقية” التي لطالما تميز بها تآكلت بسرعة حين اصطدمت بواقع السلطة وتعقيدات التدبير.

اليوم، يبدو أن الحزب يختار العودة إلى المنطقة الأكثر راحة بالنسبة إليه: خطاب الأخلاق والطهرانية السياسية.

ففي ظل غياب مشروع اقتصادي واجتماعي حقيقي، يعوّل العدالة والتنمية على لغة هجومية تقوم على:

• اتهام الخصوم بالفساد،

• تقديم نفسه كصوت نزيه وحيد،

• إعادة تدوير خطاب 2011 بحدة مضاعفة،

• واستثمار ضعف تواصل خصومه، خصوصًا حزب التجمع الوطني للأحرار.

لكن هذا الخطاب، مهما بدا قويًا في مواقع التواصل أو التجمعات الحزبية، لا يخفي الفراغ البرنامجي الذي يعانيه الحزب منذ خروجه من الحكومة.

ومن أكثر المفارقات التي تواجه البيجيدي اليوم أن الحزب الذي يقود حملة “الأخلاق” هو نفسه الذي قضى عقدًا كاملًا في الحكومة دون أن ينجح في بناء مؤسسات حقيقية لمحاربة الفساد.

بل إن تصريحات قيادته خلال المرحلة، وعلى رأسها عبارة بنكيران الشهيرة “عفا الله عما سلف”، كشفت عن نهج سياسي يعتمد التبرير أكثر مما يعتمد الإصلاح.

والمظاهر التي يشير إليها اليوم الحزب كاختلالات أو فساد، ليست سوى انعكاس لفشل تجربته في إنجاز القفزة المؤسساتية التي وعد بها سنة 2011.

صحيح أن الحزب يدافع اليوم عن الأخلاق، لكنه يتجنب الحديث عن إرثه الثقيل، الذي لا يزال تأثيره حاضرًا في جيوب وفئات واسعة من المغاربة، ومن أبرز قراراته:

تحرير سوق المحروقات دون وضع آليات لحماية المستهلك.

رفع سن التقاعد وتقليص المعاشات.

التعاقد في التعليم وما نتج عنه من توترات اجتماعية مستمرة.

التوقيع على اتفاق التطبيع بعد سنوات من المعارضة الشرسة له.

إقرار قانون القنب الهندي رغم رفضه السابق.

هذه القرارات جعلت الكثير من المغاربة يعتبرون أن الحزب، حين امتلك السلطة، لم يكن أفضل من خصومه في الدفاع عن العدالة الاجتماعية.

فعودة الحزب اليوم ليست مجرد نشاط تنظيمي أو خطاب سياسي. إنها محاولة لإنعاش صورة تضررت بشدة.

لكن المشكلة الأساسية ليست في الصورة، بل في غياب مشروع جديد. فالحزب لم يقدم لحد الآن:

• رؤية اقتصادية بديلة،

• تصورًا للسياسات الاجتماعية،

• استراتيجية لإصلاح الدولة،

• أو حتى مراجعة نقدية شجاعة لتجربته.

وبدون هذه العناصر، سيظل الخطاب الأخلاقي مجرد مناورة تواصلية الهدف منها إحياء العاطفة الانتخابية التي مكنت الحزب ذات يوم من اكتساح صناديق الاقتراع.

عودة العدالة والتنمية بعد بلوكاج 2016 وهزيمة 2021 ليست مجرد عودة إلى الساحة السياسية، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة الحزب على التجدد.

والمغاربة اليوم، بعد تجربة دامت عقدًا كاملًا، لا يبحثون عن الشعارات الأخلاقية بقدر ما يبحثون عن مشروع واقعي وشجاع قادر على مواجهة تحديات الاقتصاد والعدالة الاجتماعية وإصلاح الدولة.

فهل يملك الحزب الشجاعة لمراجعة نفسه وتقديم بديل جديد؟

أم أن العودة إلى خطاب الأخلاق لن تكون سوى محاولة لاستعادة “بكارة سياسية” لم تعد موجودة في ذاكرة المجتمع؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة