زيارة ملكية إلى باريس… المغرب يرسم حدود القوة ويفرض قواعد جديدة للعبة

هيئة التحرير21 يونيو 2025آخر تحديث :
زيارة ملكية إلى باريس… المغرب يرسم حدود القوة ويفرض قواعد جديدة للعبة

الصحراء بلوس – سهام الشركاوي

كشفت مجلة “جون أفريك” الفرنسية أن العاهل المغربي الملك محمد السادس يُرتقب أن يقوم بزيارة دولة إلى فرنسا بين نهاية سنة 2025 وبداية سنة 2026. الزيارة، التي طال انتظارها، لا تأتي فقط في سياق تقويم العلاقات، بل تعكس تحولا عميقا في ميزان القوة والقرار بين العاصمتين، بعد سنوات من التوتر والصمت.

وتابعت المجلة أن هذه الزيارة ليست مجرد خطوة بروتوكولية في أجندة دبلوماسية، بل تُعد تتويجًا لمسار مصالحة طويل ومعقد، بدأ بعد أزمة توصف بأنها الأعمق منذ استقلال المغرب سنة 1956. أزمة كشفت حدود الصداقة التقليدية، ودفعت الرباط إلى مراجعة جذريّة لمقاربتها تجاه شراكتها مع فرنسا، التي تأخرت في فهم المتغيرات الإقليمية والدولية، خاصة ما يتعلق بملف الصحراء المغربية.

ويُشار إلى أن باريس بقيت لفترة طويلة في موقف المراقب الحذر إزاء النزاع الإقليمي في الصحراء، قبل أن تتخذ خطوة حاسمة يوم 30 يوليوز 2024، حين وجّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رسالة رسمية إلى الملك محمد السادس يعترف فيها صراحة بأن مبادرة الحكم الذاتي، التي تقدم بها المغرب، تشكل الأساس الجاد والوحيد لتسوية هذا النزاع. وهي صيغة طابقت مواقف واشنطن ومدريد، وإن جاءت متأخرة بسبب الحرج الفرنسي من إغضاب الجزائر، وفق ما أوضحته المجلة.

ويرجع هذا الاعتراف الفرنسي، حسب خبراء تحدثوا لـ”جون أفريك”، إلى إدراك متأخر بأن الرباط لم تعد تقبل التردد أو الصيغ الرمادية. فقد أصبحت الشراكة الحقيقية عند المغرب ترتكز على الوضوح، لا على المجاملة الدبلوماسية. وبالتالي، فإن تبني باريس لهذا الموقف كان بمثابة الشرط الأساسي لعودة العلاقات إلى مسارها الطبيعي.

وتعيد المجلة إلى الأذهان أن العلاقات بين البلدين بدأت تعرف نوعًا من الانتعاش التدريجي، بدءًا من زيارة وزير الداخلية المغربي عبد الوافي لفتيت المرتقبة إلى باريس، ومرورًا بانعقاد اللجنة العليا المشتركة بين البلدين في الخريف المقبل، برئاسة رئيسي الحكومتين. كما تجدر الإشارة إلى سلسلة من المؤشرات الرمزية التي عمّقت هذا التوجه الجديد، مثل تعيين بريجيت ماكرون ضمن مجلس إدارة مؤسسة المسرح الملكي بالرباط، وظهور الأميرة للا حسناء إلى جانب الرئيس الفرنسي في قمة حول المحيط، ثم إعلان فتح قنصلية فرنسية في مدينة العيون بالصحراء المغربية، وهي خطوة غير مسبوقة في الموقف الفرنسي من الوحدة الترابية للمملكة.

وتشير المجلة إلى أن هذا التقارب لم يكن بدون كلفة سياسية بالنسبة لفرنسا، التي تجد نفسها اليوم في مواجهة برود جديد في علاقتها مع الجزائر، بعد أن راهنت على موازنة معقدة بين طرفين لا يلتقيان. كما أن باريس لم تعد تحظى بتلك المكانة الحصرية لدى الرباط، إذ تنوّعت الشراكات المغربية لتشمل قوى دولية صاعدة كالصين، والولايات المتحدة، ودول غرب إفريقيا، بل وحتى إسرائيل.

وفي خضم هذه التحولات، لا تزال بعض الأوساط الفرنسية، خصوصًا تلك المرتبطة بالنخبة الثقافية اليسارية، تجد صعوبة في استيعاب هذا المسار الجديد. إذ أن جزءًا من الطبقة الفكرية والسياسية في باريس لم يهضم بعد تراجع النفوذ التقليدي لفرنسا في المغرب، ولم يتأقلم مع حقيقة أن الرباط اليوم تقود أجندتها الدبلوماسية من موقع المبادرة، لا التبعية.

وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن بعض الأصوات داخل فرنسا عبّرت عن استيائها من استبعادها خلال فترة الأزمة، أو من تسارع المصالحة بدون العودة إليها. وهو ما يعكس حجم التحول الحاصل في آليات القرار داخل العلاقات الثنائية. فاليوم، الرباط لم تعد تنتظر مباركة أي طرف، بل تبني قراراتها انطلاقًا من مصالحها الوطنية وثوابتها السيادية.

وبينما تستعد باريس لاستقبال الملك محمد السادس، يبدو المشهد مختلفًا تمامًا عمّا كان عليه قبل سنوات. فالمغرب اليوم يتعامل مع فرنسا من موقع الندية، ويضع شروطًا واضحة لأي تقارب، عنوانها احترام السيادة والمصالح المتبادلة. أما فرنسا، التي طالما لعبت دور الشريك المرجعي، فقد باتت مضطرة إلى مراجعة دورها، والقبول بأن الزمن المغربي الجديد يفرض معادلاته بوضوح لا يقبل اللبس

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة