الصحراء بلوس -عادل عنور
تتواصل انشغالات الشباب بجهة العيون الساقية الحمراء بشأن البطالة ومحدودية فرص الشغل والاستثمار، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مبادرات عملية تفتح آفاقاً جديدة أمام حاملي الشهادات والشباب الطامحين إلى إطلاق مشاريعهم الخاصة، وتحويل مؤهلاتهم وأفكارهم إلى فرص اقتصادية قادرة على تحقيق الاستقرار الاجتماعي.
وحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، سجلت جهة العيون الساقية الحمراء معدل بطالة بلغ 26,6 في المائة سنة 2024، وفق نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى، مقابل معدل وطني بلغ 21,3 في المائة. وتعكس هذه الأرقام حجم التحدي الذي يواجه سوق الشغل بالجهة، وتطرح تساؤلات بشأن سبل تعزيز الإدماج الاقتصادي وتوسيع قاعدة الاستثمار المنتج.
ولا تتوقف الإشكالية عند صعوبة الحصول على وظيفة، بل تمتد إلى محدودية الفرص المتاحة أمام الشباب الراغبين في إنشاء مقاولات صغيرة ومتوسطة، في ظل ما قد يواجهونه من صعوبات في التمويل والمواكبة الإدارية والتقنية، فضلاً عن الحاجة إلى فضاءات توفر التوجيه والتكوين وربط أصحاب الأفكار بالمستثمرين والبرامج الداعمة.
وفي هذا السياق، يثير موضوع إغلاق منصات الشباب وتعثر أو توقف بعض المبادرات الموجهة لدعم حاملي المشاريع نقاشاً حول ضرورة ضمان استمرارية آليات المواكبة، وعدم ترك الشباب أمام مسارات معقدة دون تأطير أو توجيه. فهذه الفضاءات لا تقتصر أهميتها على استقبال المرتفقين، بل يمكن أن تشكل حلقة وصل بين الشباب ومؤسسات التمويل والتكوين والمقاولات، متى توفرت لها الموارد اللازمة والحكامة الفعالة.
كما سبق أن أُعلن بجهة العيون الساقية الحمراء، في يناير 2025، عن تجميد الاعتمادات المخصصة للبرنامج الثالث من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، المتعلق بتحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب، وفق ما أوردته تقارير إعلامية محلية. وقد ارتبط القرار، بحسب تلك التقارير، بملاحظات حول تكرار بعض المشاريع وضعف ابتكارها وعدم استدامة عدد منها.
ويعيد هذا المعطى طرح سؤال أساسي: كيف يمكن معالجة اختلالات بعض المشاريع دون إضعاف فرص الشباب الجادين في المبادرة والاستثمار؟ فالتحدي لا يكمن فقط في توفير التمويل، بل أيضاً في تحسين آليات الانتقاء والتتبع والتقييم، ومواكبة المقاولين الشباب قبل إطلاق مشاريعهم وبعد دخولها مرحلة التنفيذ، بما يضمن استمراريتها وقدرتها على خلق فرص الشغل.
ومن هنا، تتعالى الحاجة إلى إعادة النظر في آليات دعم المقاولة الشبابية، عبر فتح المجال أمام أفكار جديدة، وتبسيط المساطر، وتوفير مواكبة مهنية لحاملي المشاريع، مع إتاحة المعلومات بشكل واضح بشأن البرامج المتاحة وشروط الاستفادة منها. كما أن استمرارية منصات الشباب وفضاءات التوجيه يمكن أن تساعد في تقريب الخدمات من الفئات التي لا تتوفر على الخبرة الكافية للتعامل مع الإجراءات الإدارية والمالية.
ورغم المؤهلات الاقتصادية التي تتوفر عليها الجهة، فإن خلق دينامية اقتصادية أكثر شمولاً يظل مرتبطاً بمدى القدرة على استقطاب استثمارات منتجة، قادرة على خلق مناصب شغل مستقرة، وتوسيع فرص الاندماج أمام الكفاءات المحلية.
وتبرز في هذا الإطار قطاعات الصيد البحري والصناعات التحويلية والسياحة والطاقات المتجددة والخدمات الرقمية باعتبارها مجالات يمكن أن تساهم في تنويع الاقتصاد الجهوي. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى فرص ملموسة يتطلب تشجيع المقاولات المحلية، وتطوير سلاسل الإنتاج، وتسهيل الولوج إلى العقار والتمويل، وتعزيز الثقة بين المستثمرين ومختلف المؤسسات المعنية.
كما أن الاعتماد على المشاريع الكبرى وحده لا يكفي لمعالجة جميع إشكالات التشغيل، ما لم تواكبه سياسة اقتصادية تتيح للمقاولات الصغرى والمتوسطة والشركات الناشئة الاستفادة من الفرص المتاحة، والمساهمة في خلق قيمة مضافة داخل الجهة.
وتتجه أبرز المطالب المطروحة في هذا السياق نحو إعادة فتح فضاءات مواكبة الشباب، أو توفير بدائل عملية لها، واستئناف برامج دعم المبادرات الاقتصادية وفق معايير واضحة تضمن الشفافية والاستدامة، إلى جانب تنظيم لقاءات تواصلية تجمع حاملي المشاريع بالمؤسسات المعنية بالتمويل والاستثمار والتشغيل.
كما تبرز أهمية إحداث آليات لتتبع المشاريع الممولة، ونشر معطيات دورية حول عدد المستفيدين والمقاولات التي تمكنت من الاستمرار ومناصب الشغل التي جرى إحداثها، حتى يصبح تقييم البرامج قائماً على النتائج الفعلية، وليس فقط على حجم الاعتمادات المرصودة أو عدد المشاريع المعلن عنها.
وتظل مسؤولية تحسين مناخ التشغيل مشتركة بين المؤسسات العمومية والقطاع الخاص والمنتخبين ومختلف الفاعلين المحليين، من خلال رؤية تجعل الشباب شريكاً أساسياً في صياغة الحلول، وتمنح الكفاءات المحلية فرصة حقيقية للمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
شباب العيون اليوم لا يحتاج إلى وعود إضافية بقدر حاجتهم إلى مسارات واضحة تقودهم من التكوين إلى التشغيل، ومن الفكرة إلى المشروع، ومن المبادرة الفردية إلى مقاولة قادرة على الاستمرار والنمو.
فالرهان الحقيقي أمام جهة العيون الساقية الحمراء لا يتمثل فقط في مواصلة الأوراش التنموية، بل في ضمان وصول ثمارها إلى الشباب، وتحويل المؤهلات الاقتصادية للمنطقة إلى فرص شغل واستثمار ملموسة. وبين أرقام البطالة وانتظارات الأجيال الصاعدة، يبقى توفير بدائل فعالة ومستدامة لدعم الشباب خطوة أساسية نحو تنمية تمنح الأمل وتفتح أبواب المستقبل.




