أوزين.. حين يتحول «إنقاذ الصحافة» إلى معركة ضد أهلها

هيئة التحرير13 أغسطس 2026آخر تحديث :
أوزين.. حين يتحول «إنقاذ الصحافة» إلى معركة ضد أهلها

 

الصحراء بلوس – 

لم يكن خروج محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، ضد إدريس شحتان، رئيس الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، مجرد اختلاف عابر في الرأي. الرجل اختار أن يرفع سقف المواجهة، وأن يقدم مرافعة سياسية طويلة حاول من خلالها إعادة ترتيب المشهد الإعلامي وفق رواية تحمل كثيراً من الأحكام، وقليلاً مما يمكن أن يصمد أمام امتحان الوقائع.

من حق أي سياسي أن ينتقد أداء المؤسسات المهنية، ومن حقه أن يختلف مع قياداتها وأن يطرح الأسئلة حول طريقة تدبيرها. لكن حين يتحول النقد إلى رسم صورة كاملة عن مؤسسة تضم ناشرين ومهنيين متعددين، يصبح السؤال مشروعاً حول الغاية من هذا الخطاب: هل نحن أمام نقاش حول إصلاح قطاع الإعلام، أم أمام محاولة لجر الصحافة إلى ملعب الصراع السياسي؟

أوزين اختار الطريق الثاني، على ما يبدو، حين وضع إدريس شحتان في قلب اتهامات واسعة، وكأن الرجل يمسك وحده بكل خيوط المشهد الإعلامي المغربي. وهذه قراءة تختزل واقعاً أكثر تعقيداً، لأن الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين ليست شخصاً واحداً، والناشرون ليسوا كتلة صامتة تنتظر التعليمات، بل مهنيون راكموا تجارب ومواقف ومصالح مختلفة.

الأكثر إثارة للانتباه أن خطاب الأمين العام للحركة الشعبية لم يتوقف عند حدود الجمعية، بل حاول أن يمنح حزبه دوراً استثنائياً في مسار المجلس الوطني للصحافة، وكأن قراراً حزبياً واحداً كان كافياً لإسقاط مؤسسة كاملة. مثل هذا التقديم قد يكون صالحاً للخطاب السياسي، لكنه يحتاج إلى الكثير من التدقيق عندما يوضع أمام تسلسل الأحداث والوقائع التي شاركت فيها مؤسسات وفاعلون متعددون.

ثم جاءت فرضية «الهيمنة» على القطاع الإعلامي لتضيف طبقة أخرى إلى المواجهة. غير أن الحديث عن السيطرة على مستقبل الصحافة لا يصبح حقيقة بمجرد إطلاقه في خطاب سياسي؛ يحتاج إلى وقائع محددة، وأسماء، وقرارات، ومسارات يمكن فحصها. أما الاتهام المفتوح، فيبقى مجرد اتهام، مهما كانت الجهة التي تطلقه.

المفارقة أن الرجل الذي يتحدث باسم الدفاع عن الصحافة اختار مهاجمة مؤسسة مهنية ورئيسها من منبر سياسي، في وقت يحتاج فيه القطاع إلى نقاش مختلف تماماً: كيف يمكن حماية استقلالية المهنة؟ كيف يمكن إنقاذ المقاولات الصحفية؟ كيف يمكن تحسين ظروف الصحفيين؟ وكيف يمكن بناء تنظيم مهني يحظى بالثقة ويكون بعيداً عن التجاذبات الحزبية؟

هذه هي الأسئلة التي تهم العاملين في الميدان، وليس الدخول في سجالات شخصية أو توزيع صكوك الوطنية والمهنية بين هذا الطرف وذاك.

وإذا كان أوزين يملك ملاحظات جدية حول تدبير الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، فإن الطريق الأقوى كان سيكون تقديمها بهدوء وبالأسماء والوقائع والوثائق، بدل تحميل المشهد أكثر مما يحتمل. فالخطاب السياسي يستطيع أن يرفع الضجيج، لكنه لا يستطيع أن يمنح الاتهام قيمة الدليل.

أما إدريس شحتان، فبغض النظر عن تقييم تجربته أو الاختلاف معه، فإن اختزاله في صورة «الرجل الذي يريد السيطرة على الصحافة» يحتاج إلى ما هو أكثر من البلاغة السياسية. خصوصاً أن الحديث المتداول عن رفضه الترشح لرئاسة هيئة التنظيم المقبلة، في حال فوز الجمعية بالانتخابات، يضع علامات استفهام جدية أمام سردية المشروع الشخصي للهيمنة.

المشهد هنا لا يحتاج إلى «منقذ» جديد للصحافة، ولا إلى سياسي يرفع راية الإصلاح من فوق منصة الصراع. ما يحتاجه هو نقاش مهني صريح، تتحول فيه الاختلافات إلى أفكار، والانتقادات إلى مقترحات، والمواقف إلى حجج قابلة للنقاش.

محمد أوزين يعرف جيداً كيف يصنع العناوين، وهذه ليست المرة الأولى التي يختار فيها خطاباً قادراً على إشعال النقاش. لكن معركة الصحافة مختلفة؛ لأنها لا تُحسم بحدة العبارات ولا بكثرة الاتهامات، وإنما بما يقدمه كل طرف من حقائق وحلول ومسؤولية.

حين يدخل السياسي إلى ميدان الصحافة، لا يصبح بالضرورة صحفياً، وحين ينتقد مؤسسة مهنية لا يصبح تلقائياً صاحب مشروع لإصلاحها. وبين «المنقذ» الذي يقدمه الخطاب وواقع المهنة، تبقى مسافة لا يردمها إلا شيء واحد: الحقيقة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة