الصحراء بلوس-فاطمة غزال
تستعد الأقاليم الجنوبية للمملكة لخوض واحدة من أكثر المحطات الانتخابية إثارة خلال السنوات الأخيرة، في ظل احتدام المنافسة بين الأحزاب السياسية الكبرى، وعلى رأسها حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال، اللذان يسعيان إلى تعزيز حضورهما بجهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب قبل موعد الاقتراع.
وتشير مختلف المؤشرات السياسية إلى أن المشهد الحزبي بالصحراء يشهد تحولات متسارعة، بعد سلسلة من الاستقطابات والتحركات الميدانية التي قادتها الأحزاب خلال الأشهر الأخيرة، في وقت يتابع فيه الرأي العام المحلي ملامح الخريطة السياسية الجديدة، ومدى قدرتها على تغيير موازين القوى التي ظلت مستقرة لسنوات.
ويعد حزب الأصالة والمعاصرة من أكثر الأحزاب نشاطًا خلال المرحلة الحالية، بعدما كثف لقاءاته التنظيمية وتحركاته الميدانية، إلى جانب استقطابه عددًا من المنتخبين والفاعلين المحليين، وهو ما اعتبره متابعون خطوة تهدف إلى توسيع نفوذه داخل الأقاليم الجنوبية، خصوصًا بعد التحاق شخصيات سياسية وازنة بالحزب، يتقدمها رئيس جهة الداخلة وادي الذهب الخطاط ينجا، الذي أصبح أحد أبرز الوجوه السياسية التي يعول عليها الحزب في هذه المرحلة.
وفي المقابل، يستعد حزب الاستقلال للدفاع عن معاقله التاريخية بالصحراء، خاصة بجهة العيون الساقية الحمراء، حيث راكم الحزب على مدى سنوات حضورًا انتخابيًا وتنظيميًا قويًا بقيادة حمدي ولد الرشيد، الذي نجح في ترسيخ نفوذ الحزب داخل عدد من الجماعات والمؤسسات المنتخبة، مما جعل الاستقلال أحد أبرز الفاعلين السياسيين بالأقاليم الجنوبية.
ويتابع مراقبون باهتمام ما إذا كانت التحولات الأخيرة ستنجح في تقليص هذا النفوذ، أم أن حزب الاستقلال سيتمكن من الحفاظ على مكانته رغم تصاعد المنافسة. كما تشير المعطيات إلى أن انتقال عدد من المنتخبين بين الأحزاب، وتشكيل تحالفات جديدة، قد يسهم في إعادة رسم الخريطة السياسية بشكل غير مسبوق.
ويعتبر العديد من المتابعين أن دخول الخطاط ينجا إلى حزب الأصالة والمعاصرة شكل أحد أبرز الأحداث السياسية التي عرفتها الصحراء خلال السنة الجارية، باعتبار أن الرجل يتمتع بثقل انتخابي وسياسي بجهة الداخلة وادي الذهب، وهو ما منح حزب “الجرار” دفعة قوية في مواجهة حزب الاستقلال، الذي ظل لسنوات القوة السياسية الأبرز في الجهات الجنوبية.
وفي هذا السياق، يتساءل كثير من الفاعلين السياسيين عما إذا كان الخطاط ينجا قد نجح في الرد سياسيًا على حمدي ولد الرشيد، بعد سنوات من هيمنة هذا الأخير على المشهد الحزبي بالصحراء داخل حزب الاستقلال. غير أن العديد من المحللين يرون أن الإجابة النهائية لا يمكن حسمها قبل ظهور نتائج صناديق الاقتراع، لأن موازين القوى لا تقاس فقط بحجم الاستقطابات، وإنما أيضًا بقدرة الأحزاب على تعبئة قواعدها الانتخابية، واختيار مرشحين يحظون بثقة المواطنين.
وجدير بالذكر أن الرهان الانتخابي لم يعد مرتبطًا بالانتماء الحزبي وحده، بل أصبح مرتبطًا بمدى قدرة الأحزاب على تقديم برامج واقعية تستجيب لتطلعات الساكنة، خاصة في ملفات التشغيل والاستثمار والسكن والصحة والتعليم والبنيات التحتية، وهي الملفات التي أصبحت في صلب اهتمامات الناخبين بالأقاليم الجنوبية
وتبقى الانتخابات المقبلة بالأقاليم الجنوبية محطة سياسية مفصلية قد تعيد رسم موازين القوى بين الأحزاب المتنافسة، في ظل حركية تنظيمية غير مسبوقة واستقطابات متواصلة قبل موعد الاقتراع. وبين طموح حزب الأصالة والمعاصرة إلى توسيع نفوذه، وسعي حزب الاستقلال إلى الحفاظ على حضوره التاريخي، تبقى الكلمة الأخيرة لصناديق الاقتراع التي ستحدد الفائز الحقيقي، وستكشف ما إذا كانت الصحراء مقبلة على مرحلة سياسية جديدة أم على استمرار التوازنات التي طبعت المشهد الانتخابي لسنوات.




