الصحراء بلوس
تشهد الأقاليم الجنوبية للمملكة دينامية تنموية متسارعة، تعكس إرادة قوية في ترسيخ نموذج تنموي مندمج ومتنوع. غير أن هذه الحركية، على أهميتها، لا يواكبها بالقدر نفسه تجديد حقيقي في بنية الفعل الحزبي، حيث ما تزال بعض التنظيمات السياسية رهينة أنماط تقليدية في التدبير، تقوم على إعادة إنتاج نفس الوجوه وتكريس حضور محدود داخل دوائر ضيقة.
إن المتأمل في المشهد الحزبي يلحظ أن التداول على المسؤوليات لا يزال، في كثير من الأحيان، محكومًا بمنطق غير معلن، تُفضَّل فيه الاعتبارات الشخصية والعائلية على حساب الكفاءة والاستحقاق. هذا الواقع لا يطرح فقط إشكالًا تنظيميًا داخليًا، بل يمتد أثره إلى ثقة المواطن في العمل السياسي، خاصة لدى فئة الشباب التي تجد نفسها خارج معادلة التأثير وصنع القرار.
وفي سياق التحولات الكبرى التي تعرفها المملكة، حيث تتعالى الدعوات إلى تحديث المؤسسات وتعزيز مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، يصبح من المشروع التساؤل: كيف يمكن للفعل الحزبي أن يظل حبيس أنماط تقليدية، في زمن يتطلب الانفتاح على الكفاءات وتجديد النخب؟ إن الرهان اليوم لم يعد فقط في الحفاظ على الاستمرارية، بل في القدرة على التكيف مع متطلبات المرحلة، بما تفرضه من شفافية وتنافسية وعدالة في الفرص.
إن تجديد النخب الحزبية ليس مجرد شعار يُرفع في المناسبات، بل هو مسار يتطلب إرادة سياسية حقيقية داخل الأحزاب نفسها، قوامها القطع مع منطق الاحتكار، وفتح المجال أمام طاقات جديدة تحمل رؤى مبتكرة وأفكارًا متجددة. فالشباب، بما يمتلكه من مؤهلات علمية وانفتاح فكري، قادر على الإسهام في إغناء النقاش العمومي وتعزيز حضور الأحزاب داخل المجتمع، إذا ما أُتيحت له الفرصة في إطار من الثقة والمسؤولية.
إن كسر احتكار الفعل الحزبي لا يعني إقصاء التجارب السابقة أو التقليل من قيمتها، بل يندرج ضمن منطق التراكم والتكامل بين الأجيال. فالتجارب الرائدة يمكن أن تشكل رافعة للتأطير والمواكبة، في حين تمثل الكفاءات الجديدة أفقًا للتجديد والابتكار. وبين هذا وذاك، تتشكل معالم مشهد سياسي أكثر توازنًا وقدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.
ختامًا، يبقى سؤال التجديد المؤجل مطروحًا بإلحاح: هل آن أوان الانتقال من سياسة إعادة الإنتاج إلى سياسة الإبداع والتجديد؟ إن الجواب عن هذا السؤال لا يخص الأحزاب وحدها، بل يهم مستقبل الممارسة الديمقراطية برمتها، ويحدد مدى قدرتنا على بناء نموذج سياسي يعكس طموحات المجتمع ويستجيب لتحديات الحاضر والمستقبل.
بقلم: ذ/ البوزيدي عبد العالي
ناشط حقوقي بالمغرب ومهتم بالشأن الوطني والدولي





