الصحراء بلوس
لم تمر أيام قليلة على توقيع اتفاقية شراكة وتعاون بين جماعة الداخلة وبلدية توجنين الموريتانية حتى تحولت الخطوة إلى موضوع جدل سياسي وإعلامي واسع انتهى عمليا بإجهاض الاتفاق، تحت وطأة ضغط سياسي وإيديولوجي قادته جبهة البوليساريو وأنصارها داخل موريتانيا.
الواقعة تعود إلى زيارة رسمية قام بها عمدة بلدية توجنين أحمد سالم أحمد حبيب الله الفيلالي مرفوقا بثلاثة من مساعديه إلى مدينة الداخلة، حيث جرى توقيع اتفاقية شراكة تهدف وفق ما أكده البيان الرسمي للبلدية إلى تحسين ظروف الجماعة، وتكوين أطرها وتعزيز دبلوماسية المدن في إطار دعم مسار اللامركزية.

غير أن هذه الخطوة التي تندرج في سياق تعاون محلي محلي بعيد عن الاصطفافات السياسية، سرعان ما أُخرجت من إطارها التنموي وتم تقديمها على بعض المنصات باعتبارها “اتفاقية توأمة” ذات أبعاد سياسية، ما فجر موجة هجوم حادة من طرف البوليساريو وأنصارها، وصلت حدّ التشكيك في التزام البلدية بالموقف الرسمي الموريتاني من قضية الصحراء.
أمام هذا التصعيد وجدت بلدية توجنين نفسها مضطرة إلى إصدار بيان توضيحي، نفت فيه بشكل قاطع أن تكون قد أبرمت اتفاقية توأمة، مؤكدة أن الأمر لا يتعدى كونه اتفاق شراكة تقنية وتنموية. كما شددت على التزامها الصارم بقرارات الدولة الموريتانية واحترامها لما وصفته بـ”موقف الحياد من القضية الصحراوية”.
قراءة في خلفيات الواقعة تظهر أن ما حدث يتجاوز مجرد “سوء فهم” ليعكس هشاشة هامش تحرك الجماعات المحلية الموريتانية في ملفات تتقاطع مع حساسيات إقليمية. فالضغط الذي مورس على بلدية توجنين لم يكن قانونيا ولا إداريا بقدر ما كان سياسيا ورمزيا، استثمر في التخوف الدائم من أي تقارب مع الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية.
هذا الواقع يطرح تساؤلات حقيقية حول مدى قدرة البلديات الموريتانية على الانخراط في شراكات تنموية مع محيطها الإقليمي، دون أن تتحول إلى رهينة لخطابات أيديولوجية لا تخدم مصالح السكان المحليين.
بعيدا عن الجدل السياسي، تبدو الخسارة الأبرز في هذه الواقعة تنموية بالدرجة الأولى فمدينة الداخلة تعد اليوم قطبا صاعدا في مجالات التكوين والتدبير المحلي والاستثمار الترابي، وكان بإمكان بلدية توجنين الاستفادة من تجربة متقدمة في مجالات الحكامة المحلية وتأهيل الموارد البشرية وجلب الاستثمارات.
إلغاء الاتفاق ولو بشكل غير معلن يعني عمليا تفويت فرصة لتبادل الخبرات، وتجميد مسار تعاون كان يمكن أن ينعكس إيجابا على الخدمات المحلية، في سياق تعاني فيه العديد من البلديات الموريتانية من ضعف الإمكانيات وقلة التأطير.
ما جرى لا يخص بلدية توجنين وحدها بل يبعث برسالة أوسع إلى باقي الفاعلين المحليين في موريتانيا، مفادها أن أي انفتاح على الأقاليم الجنوبية للمغرب سيظل محاطا بحسابات سياسية معقدة، حتى وإن كان في إطار تنموي صرف.
وفي المقابل، يبرز الحدث كيف أصبحت دبلوماسية المدن ساحة جديدة للصراع حول ملف الصحراء، بعدما ضاق الهامش أمام الأطراف المناوئة للمغرب في القنوات الدبلوماسية الرسمية.
تبدو الواقعة مثالا صارخا على كلفة تسييس التعاون المحلي، حيث خسر الطرف الموريتاني فرصة تنموية واضحة مقابل إرضاء ضغط سياسي عابر، في معادلة لا رابح فيها على المدى المتوسط والبعيد.




