قانون المجلس الوطني للصحافة: محطة حاسمة لإعادة بناء المهنة واستعادة ثقة المجتمع

هيئة التحرير30 نوفمبر 2025آخر تحديث :
قانون المجلس الوطني للصحافة: محطة حاسمة لإعادة بناء المهنة واستعادة ثقة المجتمع

 

الصحراء بلوس -العيون

 

لم يعد ممكناً، اليوم، الاستمرار في إدارة النقاش حول مستقبل الصحافة المغربية بالمنطق القديم نفسه: منطق التشكيك المجاني، وتعميم السوداوية، وإطلاق الأحكام الجاهزة التي تختزل كل مسار الإصلاح في تفاصيل ثانوية أو حسابات شخصية. فالمسألة أكبر بكثير من أسماء أو مواقع أو تنازع مواقع؛ إنها معركة وجودية تتعلق بقدرة الجسم الصحفي على الدفاع عن مؤسساته، وترسيخ تنظيم ذاتي قوي يحفظ استقلاله ويصون دوره داخل مجتمع يسير بخطى سريعة نحو تكريس دولة المؤسسات.

 

 

من هذا المنطلق، يأتي مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة بوصفه محطة مفصلية، لا ورقة تقنية ولا مجرد تعديل شكلي. فالنص الذي يمتد على 97 مادة يعكس إرادة واضحة في إعادة بناء الإطار المنظم للمهنة من الجذور، بعد أن كشفت التجربة السابقة محدودية بعض الاختيارات، سواء على مستوى التمثيلية أو الحكامة أو صلاحيات المجلس.
لقد أظهر الواقع أن ترك بعض الاختصاصات، وعلى رأسها الإشراف على الانتخابات، بيد الإدارة الحكومية يتناقض مع جوهر التنظيم الذاتي. كما أن نظام اللوائح لم يُحقق الشفافية المطلوبة في الاختيار، وهو ما دفع إلى تبني خيار الانتخاب الفردي باعتباره الطريق الأكثر نزاهة لضمان تمثيلية تعكس حقيقة الجسم المهني، لا توازنات مصطنعة ولا تفاهمات مغلقة.

 

وعلى مستوى الناشرين، لم يعد مقبولاً استمرار الفوضى التي وسمت ميدان الانتداب، حيث يحمل صفة “ناشر” من لا يمارس العمل الإعلامي بشروطه المهنية أو القانونية. إن ضبط هذه الفئة هو شرط أساسي لتقوية شرعية المجلس نفسه، ولحماية دور الناشرين الفعليين الذين ساهموا في بناء قطاع الصحافة المكتوبة والرقمية.

 

المشروع الحالي لم يأتِ من فراغ؛ هو ثمرة مشاورات واسعة قادها المجلس الوطني للصحافة في ولايته الأخيرة، وشارك فيها الصحافيون والناشرون والفاعلون المهنيون. وهذه الدينامية تُعيد للقطاع حسه الطبيعي: أن يصوغ قوانينه بنفسه، وأن يطوّر مؤسساته من داخل البيت المهني، لا عبر ضغوط الخارج أو مزاج اللحظة أو ضجيج المنصات.

 

إن إدراج آليات جديدة للطعن، وإحداث لجنة استئناف مستقلة، وتوسيع صلاحيات المجلس، وتدقيق طرق الاشتغال والمساطر، كلها عناصر تمثل قفزة نوعية نحو تنظيم ذاتي حقيقي؛ تنظيم لا يكتفي بردع المخالفات أو إصدار العقوبات، بل يبني منظومة مهنية قائمة على الوضوح والإنصاف والمسؤولية.

 

إن النقاش الدائر اليوم يتجاوز مضامين المواد والمواد المضادة. هو نقاش حول هوية الصحافة المغربية: هل نريد مؤسسة مهنية مستقلة تُحاسب وتُراقب بشفافية؟ أم نريد العودة إلى حالة الفراغ والفوضى والتدافع غير المنظم الذي عانت منه المهنة سنوات طويلة؟

 

الجواب المسؤول واضح: حماية الصحافة ليست في مهاجمة المؤسسات، بل في تقويتها. واستعادة ثقة الجمهور لن تأتي من صراعات داخلية عقيمة، بل من بناء نموذج مهني صلب يلتزم بأخلاقيات المهنة ويعرف حدوده وأدواره.

 

 

إن مشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة هو ورش إصلاحي حقيقي ، يمهد لمرحلة جديدة قوامها الاحترافية والاستقلالية والمحاسبة المهنية. وإذا نجح هذا المشروع في إعادة ترتيب البيت الصحفي، فستربح المهنة رهانا أكبر بكثير من مجرد تعديل قانوني؛ ستربح ثقة المجتمع، وستسترجع مكانتها كسلطة أساسية في تكريس الشفافية والمسؤولية داخل الدولة والمجتمع.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة