الصحراء بلوس – العيون
كشفت مصادر مطلعة للصحراء بلوس عن وجود اختلالات خطيرة في تدبير الصفقات داخل مديرية التجهيز والماء بالعيون، تتراوح بين تمرير مشاريع بمواصفات تقنية مُفصلة على مقاس مقاولات بعينها، وغياب صارخ لآليات المراقبة والتتبع بعد الإنجاز.
المصادر نفسها، التي فضلت عدم الكشف عن هويتها لدواعٍ مهنية، أكدت أن عدداً من الصفقات الكبرى التي أطلقتها المديرية خلال السنوات الأخيرة شهدت خروقات متعددة، منها ما يرتبط بـ”التواطؤ في تحديد دفتر التحملات”، ومنها ما يخص “غياب معايير النجاعة والشفافية في تقييم العروض”. والأخطر من ذلك، حسب تعبير أحد المقاولين المحليين المتضررين، أن “المحاسبة غائبة رغم التقارير المتكررة التي تم رفعها إلى الجهات الوصية”.
وتعد مديرية التجهيز والماء بالعيون إحدى الركائز الأساسية لتنفيذ السياسات العمومية في مجال البنيات التحتية الطرقية والمائية بجهة العيون الساقية الحمراء، حيث تلعب دورًا محوريًا في تنزيل البرامج الحكومية المرتبطة بتأهيل الشبكة الطرقية، وتدبير مشاريع البنية التحتية الكبرى التي تموّلها الدولة أو تدخل ضمن شراكات متعددة الأطراف. غير أن هذه المديرية التي يفترض فيها أن تكون نموذجًا في الفعالية والشفافية، بدأت تتعرض مؤخرًا لسيل من الانتقادات، بفعل ما يُشار إليه من اختلالات هيكلية وتدبيرية أثرت بشكل مباشر على جودة الأشغال، ووتيرة الإنجاز، بل وحتى على مصداقية التدبير العمومي في الإقليم.
وحسب معطيات رسمية حصلت عليها “الصحراء بلوس”، فإن المديرية تشرف على ما يناهز 360 كلم من الطرق المصنفة، من بينها المحور الطرقي العيون–طرفاية، والعيون–المرسى، إضافة إلى مشاريع تقوية الطرق الإقليمية والرابطة بين المراكز القروية ومناطق الاستغلال الفلاحي. كما تضطلع المديرية بمهام في مجال صيانة القناطر، وتنزيل المخطط الوطني للتجهيزات المائية، خاصة على مستوى حماية بعض المناطق من الفيضانات.
ويُشار إلى أن مديرية العيون تُخصّص لها سنويًا ميزانيات ضخمة ضمن برامج وزارة التجهيز والماء، تصل أحيانًا إلى أزيد من 100 مليون درهم سنويًا، موزعة على مشاريع الصيانة والتوسعة والدراسات التقنية. كما تشرف على عدد من طلبات العروض التي تمنح لمقاولات جهوية ووطنية.
لكن، ورغم هذا الدور الحيوي، فإن أصواتًا متزايدة من داخل الجهة – سواء من المنتخبين أو فعاليات المجتمع المدني – بدأت تدق ناقوس الخطر بشأن ما يعتبرونه “انحرافات في تدبير الصفقات”، و”محاباة في إسناد الأشغال”، و”ضعف مراقبة الجودة”.
وتفيد مصادر مطلعة لـ”الصحراء بلوس” أن المديرة الإقليمية الحالية – والتي عينت قبل حوالي سنتين – تعرف بـ”علاقاتها القوية ببعض لوبيات الصفقات”، حيث يُشار إلى أن عدداً من الصفقات تُمنح بشكل متكرر لمقاولات بعينها دون أن تخضع للتقييم الصارم بعد الإنجاز. ويُلاحظ أن العديد من المقاطع الطرقية المُعاد إصلاحها تعاني من تشققات وهشاشة بعد أشهر قليلة من تدشينها، ما يُثير الشكوك حول جودة المواد المستعملة ومدى احترام دفاتر التحملات.
وحسب مصادر من داخل الوزارة، فقد تم توجيه ملاحظات داخلية صارمة إلى المديرية منذ سنة 2024، بخصوص تأخر إنجاز بعض المشاريع المبرمجة، إضافة إلى عدم تسوية وضعيات قانونية لبعض العقارات المخصصة للأشغال، ما تسبب في تعطيل مشاريع مهمة.
كما طُرحت علامات استفهام حول طريقة انتقاء مكاتب الدراسات، حيث يُلاحظ تكرار نفس الأسماء، دون احترام مبدأ تكافؤ الفرص، مع ما يُرافق ذلك من شبهات تضارب مصالح.
ورغم هذه الاختلالات، فإن الوزارة لم تتخذ بعد أي إجراءات تأديبية، في حين يرى مراقبون أن ما يحصل هو نتاج “سياسة غض الطرف” التي تُغذي الإفلات من المساءلة.
وفي ظل هذه المعطيات المقلقة، تعالت دعوات من فاعلين محليين بضرورة إيفاد لجنة تفتيش مركزية من المفتشية العامة لوزارة التجهيز والماء، بهدف الوقوف على مدى قانونية إسناد الصفقات، وجودة الأشغال المنجزة، وتدقيق ملفات الأداء المالي.
ويؤكد فاعلون جمعويون بالعيون، في تصريحات لـ”الصحراء بلوس”، أن “المال العام لا يجب أن يظل رهينة لممارسات مشبوهة”، وأنه “من غير المقبول أن تستمر نفس الوجوه في العبث بالصفقات العمومية دون محاسبة”.
وفي عمق الملفات التي تثير الشكوك داخل مديرية التجهيز بالعيون، يبرز ملف الصفقات العمومية كأحد أكثر الجوانب التي تُعاني من غياب الشفافية، بل ويتحول – حسب متابعين – إلى أداة لتصفية الحسابات أو توزيع الغنائم على “مقاولات بعينها” بشكل دوري.
وحسب مصادر مطلعة فإن عددا من الصفقات المعلنة على الورق لا تُفتح في وجه جميع المنافسين كما ينص على ذلك القانون، بل يتم تمريرها في الغالب إما عبر شروط تقنية موضوعة بعناية لخدمة فئة معينة من الشركات، أو عبر استعمال هامش التأويل في تقييم العروض.
ويُسجل أن مقاولات محدودة، لا يتجاوز عددها أصابع اليد، تحصل بشكل شبه دائم على مشاريع التهيئة والتقوية وإعادة بناء المقاطع الطرقية، ما يطرح تساؤلات حول مبدأ تكافؤ الفرص وغياب روح المنافسة الحقيقية. وقد أكد مصدر من داخل قسم الصفقات بالمديرية أن بعض هذه المقاولات “تُجهّز ملفاتها مسبقًا بالتنسيق مع جهات داخلية، وتُقدَّم عروضها وفق دفتر تحملات يُفصَّل على مقاسها”.
جانب آخر من الاختلالات يكمن في غياب التقييم الجدي لجودة الأشغال بعد تسليم المشاريع. إذ يُلاحظ في العيون – وعلى مرأى الجميع – أن العديد من الطرق التي تم توسيعها أو إعادة تعبيدها، تعاني من تشقق الإسفلت، وانهيار الحواشي، وضعف الصرف المائي، بعد أقل من سنة على تدشينها
ويشار إلى أن الدور الاستراتيجي الذي تضطلع به مديرية التجهيز بالعيون لا يمكن أن يُختزل فقط في حجم الميزانيات المرصودة، بل في شفافية الأداء، ونزاهة التدبير، وجودة الإنجاز. وفي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن تحسين البنيات التحتية، تظل مسؤولية الدولة واضحة في القطع مع كل مظاهر الفساد والزبونية داخل المؤسسات، وإعادة الاعتبار للكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة






