“أضاعوه.. وأيَّ فتىً أضاعوا!”

هيئة التحريرمنذ 45 دقيقةآخر تحديث :
“أضاعوه.. وأيَّ فتىً أضاعوا!”

الصحراء بلوس-الحامد احمد جباب

يشكل انتقال القيادي الصحراوي ينجا الخطاط من حزب الاستقلال إلى حزب الأصالة والمعاصرة حدثاً سياسياً لافتاً في المشهد الحزبي بالأقاليم الجنوبية، ليس فقط بالنظر إلى رمزية الرجل وحضوره السياسي، وإنما لما يعكسه هذا الانتقال من أسئلة عميقة حول قدرة الأحزاب السياسية على الاحتفاظ بكفاءاتها وقياداتها المؤثرة.

حين يُستحضر البيت الشعري الشهير “أضاعوه وأيَّ فتىً أضاعوا”، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد انتقال عادي بين حزبين سياسيين، بل بقراءة سياسية لمسار أحد أبرز الفاعلين الذين بصموا حضورهم في الساحة السياسية بالصحراء المغربية. فقد استطاع ينجا الخطاط، على امتداد سنوات من العمل السياسي والتدبيري، أن ينسج علاقات قوية مع مختلف مكونات المجتمع المحلي، وأن يقدم نموذجاً للفاعل السياسي القريب من هموم المواطنين والمنخرط في قضايا التنمية المحلية.

لقد كان حزب الاستقلال، لعقود، مدرسة سياسية خرّجت قيادات وازنة في مختلف ربوع المملكة، وكان ينجا الخطاط أحد الوجوه التي أعطت للحزب إشعاعاً خاصاً في الأقاليم الجنوبية. غير أن الأحزاب السياسية لا تقاس فقط بعدد المنخرطين فيها، وإنما بقدرتها على استيعاب طاقات أبنائها وفتح آفاق جديدة أمامهم للمساهمة في صناعة القرار الحزبي والسياسي.

إن خسارة القيادات السياسية لا تحدث فجأة، بل تكون في الغالب نتيجة تراكمات تنظيمية وسياسية وتواصلية تجعل بعض الكفاءات تشعر بأن فضاءها الطبيعي لم يعد قادراً على احتضان طموحاتها السياسية أو تثمين رصيدها النضالي. وفي هذا السياق، يطرح انتقال ينجاب الخطاط تساؤلات مشروعة حول ما إذا كان حزب الاستقلال قد أحسن تدبير علاقته بأحد أبرز قياداته في الجنوب، أم أنه فرّط في رأسمال سياسي كان بإمكانه أن يشكل قيمة مضافة للحزب خلال الاستحقاقات المقبلة.

أما حزب الأصالة والمعاصرة، فيبدو أنه نجح مرة أخرى في استقطاب شخصية سياسية تمتلك خبرة ميدانية وشبكة واسعة من العلاقات، الأمر الذي يعزز حضوره في الأقاليم الجنوبية ويمنحه دفعة سياسية مهمة في مرحلة تتسم باحتدام المنافسة بين الأحزاب الوطنية.

وفي السياسة، لا توجد مقاعد دائمة ولا ولاءات أبدية، بل هناك مشاريع سياسية وقدرة على الإقناع والاحتضان. فالقيادات السياسية، مهما بلغ إخلاصها لحزبها، تحتاج إلى فضاء يقدر عطاءها ويوفر لها شروط الاستمرار والتأثير.

لقد انتقل ينجا الخطاط من حزب إلى آخر، لكن الرسالة الأهم التي يحملها هذا الانتقال هي أن الأحزاب التي لا تحسن الاستثمار في رأسمالها البشري والسياسي قد تجد نفسها يوماً تردد مع الشاعر: “أضاعوه.. وأيَّ فتىً أضاعوا!”

ففي السياسة كما في الحياة، ليس المهم فقط كسب المناضلين، بل الأهم هو ألا تخسرهم.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة