أحمد حبيب الله – مقال رأي
عرف المجتمع الصحراوي عبر تاريخه العريق بتقاليده الراسخة في احترام الرموز والهيئات الاجتماعية، وعلى رأسها شيوخ وأعيان القبائل، الذين ظلوا على الدوام مصدر حكمة وتوازن، ومرجعًا أساسيا في حل النزاعات والحفاظ على لحمة النسيج المجتمعي. غير أن السنوات الأخيرة شهدت انزياحًا مقلقًا عن هذا النهج الأصيل، مع تفشي ظاهرة غريبة على أخلاق وتقاليد الصحراء، تتمثل في تنامي خطاب السب والشتم والقذف في حق الأعيان والشيوخ، على منصات التواصل الاجتماعي وفي بعض المجالس العامة.
هذه الظاهرة التي يتزعمها، أشخاص يفتقرون إلى الحد الأدنى من التربية المجتمعية والأخلاقية، باتت تشكل خطرًا حقيقيًا على البناء القيمي والرمزي لمجتمع القبائل الصحراوية. إذ لم يعد الاحترام واجبًا في أعين البعض، بل أضحى التطاول على الكبار ورموز القبيلة وسيلة للتعبير عن الرأي أو تصفية الحسابات، في سلوك لا يمت بصلة لروح “اللحمة القبلية” أو “أدب الخلاف” الذي طالما ميّز هذا المجتمع.
إهانة الرموز ليست حرية تعبير
في ظل الطفرة الرقمية والانفتاح الإعلامي، أصبح البعض يخلط بين حرية التعبير وحرية التجريح، وبين النقد المسؤول والسب الفجّ. لكن الاعتداء اللفظي على شيوخ وأعيان القبائل لا يدخل بأي شكل في خانة الرأي الحر، بل هو تعبير عن تدهور في منظومة القيم، وتهديد لوحدة القبائل وتماسكها، في وقت نحن في أمسّ الحاجة فيه إلى تعزيز التضامن والسلم الاجتماعيين.
أدوار الشيوخ لا يمكن تجاهلها
لا يمكن إنكار الدور الكبير الذي لعبه شيوخ وأعيان القبائل الصحراوية في التوسط بين الفرقاء، وقيادة الحكمة في الأوقات العصيبة، وتمثيل القبائل في المحافل الرسمية وغير الرسمية. وإن أي محاولة للنيل من مكانتهم هي، في جوهرها، محاولة لضرب استقرار القبائل وتفكيك ما تبقى من أسس الاحترام بين الأجيال.
وأمام هذا المشهد المتردي، فإن الجهات القضائية والأمنية مطالبة بالتدخل الصارم لردع هذه الممارسات المشينة، التي تتستر خلف الشاشات وتستغل الفضاء الرقمي لتصفية الأحقاد والنفخ في نار الفتنة. كما أن المجتمع المدني، وخاصة الفاعلين داخل القبائل، مدعوون اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى القيام بدور تأطيري وتربوي يردّ الاعتبار لثقافة الاحترام والتقدير، ويعيد ضبط العلاقة بين الأفراد ومؤسساتهم الرمزية.
ما يحدث اليوم من تطاول على أعيان القبائل ليس حرية ولا جرأة، بل انحلال أخلاقي ومؤشر على انزلاق خطير في سلم القيم. وإذا لم يتم التصدي له بالحكمة والصرامة معًا، فإن النسيج القبلي الصحراوي، الذي طالما شكل صمام أمان، قد يتعرض لتصدعات لن تكون نتائجها محمودة.
فالصحراء لا تحتمل هذا التلوث اللفظي، ولا تستسيغه. فهي أرض الرجال والهيبة والوقار، لا المنابر المجانية لقلّة الأدب وسوء النوايا




