الصحراء بلوس- ليلى رحمو
تفرض السلطة نفسها حين تمتد المشاريع وتتقاطع المصالح، وتتحول السياسة إلى اقتصاد حقيقي حين يمتلك القادرون أدوات التنفيذ والاستثمار. في قلب العيون، نجحت عائلة ولد الرشيد في إعادة تعريف معنى النفوذ، وصنعت من المدينة مساحة للتجربة الاقتصادية والسياسية، حيث تلتقي قوة القرار المحلي مع طموح الاستثمار، وتصبح العيون نموذجًا معقدًا لاحتضان المشاريع الكبرى وتحريك عجلة التنمية.
بدأت خطوات حمدي ولد الرشيد، الذي رسّخ وجوده السياسي كرئيس للمجلس الجماعي للعيون وعضو فعال في حزب الاستقلال، مستخدمًا دهاءه السياسي في بناء شبكة من العلاقات الاجتماعية والسياسية التي عززت شرعية العائلة ومكنتها من التحكم في مفاصل القرار المحلي. لم يكن الهدف مجرد المناصب، بل تحويل العيون من مدينة حدودية إلى مركز للنفوذ يمتد تأثيره عبر قطاعات متعددة.
وبالتوازي مع السياسة، برز الجانب الاقتصادي عبر MYHER HOLDING، المجموعة الاستثمارية التي أصبح اسمها مرتبطًا بالعديد من المشاريع الحيوية في المدينة. تغطي أعمال المجموعة قطاعات البناء، اللوجستيك، توزيع الوقود، والخدمات، حيث تساهم في توفير مواد البناء للمشاريع العمومية والخاصة، وتلعب دورًا أساسيًا في خلق فرص العمل للشباب المهني والفني في العيون.
ولم يقتصر دور المجموعة على القطاع الصناعي فقط، بل توسع ليشمل الشراكات الاستراتيجية مع شركات دولية مثل Vivo Energy Morocco لتطوير توزيع الوقود والخدمات الأساسية، ما جعل العيون أكثر تجهيزًا لاستقبال مشاريع استثمارية ضخمة وربطها بالمغرب وأفريقيا.
وتنعكس هذه الدينامية على المدينة نفسها، حيث تزداد مشاريع البنية التحتية، من طرق حديثة وشبكات توزيع المياه والكهرباء إلى مناطق صناعية وخدمات اجتماعية، وهو ما يخلق بيئة اقتصادية قادرة على استيعاب الشباب ورفع نسب التشغيل. ويبرز أثر هذه المشاريع في قطاع الخدمات والفنادق والمرافق التجارية، مما يحوّل العيون إلى مركز اقتصادي ناشئ في جنوب المغرب.
ولا يخلو المشهد من جدل فتركيز النفوذ السياسي والاقتصادي في يد عائلة واحدة يثير التساؤلات حول الشفافية وفرص المنافسة العادلة. يراها البعض نموذجًا فعالًا لتسريع التنمية، فيما يحذر آخرون من تأثير التركيز على قدرة الشركات المحلية الصغيرة والمتوسطة على المنافسة، وهو ما يضع المدينة تحت مجهر الرصد والتحليل الاقتصادي المستمر.
ويأتي جيل جديد عائلة أهل الرشيد، بقيادة محمد ولد الرشيد، ليعكس محاولة تحديث الصورة، عبر ربط التنمية بمفاهيم حكامة أكثر حداثة، ومواكبة مشاريع المدينة للموقع الاستراتيجي الذي تحتله العيون كمركز لوجستي وتجاري في الصحراء المغربية، ما يجعل أي قرار اقتصادي أو استثماري في المدينة مؤثرًا على المشهد المحلي والإقليمي معًا.
تظهر تجربة العيون كيف يمكن للسياسة والاقتصاد أن يتكاملا لصناعة تحول حضري وتنموي متسارع، حيث لم تعد المدينة مجرد مساحة جغرافية على الأطراف، بل مختبر ديناميكي للنفوذ والابتكار في الاقاليم الجنوبية، قادر على استيعاب الطاقات الجديدة وخلق فرص ملموسة للشباب والمستثمرين، ما يجعل كل مشروع وكل استثمار في العيون جزءًا من معادلة أكبر لإعادة رسم خريطة القوة والتنمية في الصحراء.
رغم ما تحقق من دينامية اقتصادية في العيون، يبقى التوسع في المشاريع مرتبطًا بتحولات حقيقية في بنية المدينة وتطلعات ساكنتها. فالعيون ليست مجرد نقطة جغرافية، بل مساحة اجتماعية واقتصادية تتشكل عبر تفاعل السكان مع فرص العمل، البنية التحتية، وربط المدينة بالشبكات الوطنية والدولية. ومع توسع شبكة الطرق، وتحسين الخدمات الأساسية، واستقطاب الاستثمارات، يرتفع كذلك الطلب على التكوين المهني والتعليم العالي، ما دفع بالمجلس الجماعي والمجلس الجهوي إلى إعطاء أولوية لبرامج التكوين التي تستجيب لحاجيات السوق المحلي، وتخلق جسرًا بين الشباب والفرص المتاحة.
وعلى صعيد آخر، بدأ أثر التحولات الاقتصادية يمتد إلى القطاع السكني والعقاري، حيث ارتفعت وتيرة المشاريع السكنية والاستثمارية، سواء في الأحياء الجديدة أو في إعادة تهيئة بعض المناطق القديمة، في محاولة لتلبية الطلب المتزايد على السكن، وتوفير بيئة حضرية أكثر جذبًا للمقيمين والمستثمرين على حد سواء. هذه المشاريع عززت حضور القطاع الخاص في المشهد التنموي للمدينة، مما أفرز سوقًا عقاريًا أكثر نشاطًا وكثافة، ينعكس على الحركة التجارية والخدماتية.
التجارة كذلك استفادت من هذا النشاط، إذ شهدت الشوارع والأسواق ارتفاعًا في عدد المحلات التجارية والمرافق الخدمية، ما خلق بيئة أكثر حيوية واندماجًا في النسيج الاجتماعي، وزاد من فرص التشغيل غير المباشر في قطاعات مثل المطاعم، النقليات، الخدمات التقنية، الترفيه والاستقبال. وهذا ما جعل العيون تتحول شيئًا فشيئًا إلى مدينة جاذبة للاستثمار في قطاعات متعددة تتكامل مع بعضها لتشكل منظومة اقتصادية متنامية.
وفي مضمار الإدارة المحلية، لعبت التجربة دورًا في تعزيز الحكامة المحلية والتشاركية، حيث تنخرط فعاليات المجتمع المدني، القطاع الخاص والمصالح العمومية في حوارات دورية حول المشاريع الكبرى، ومعايير اختيارها، وتأثيرها على الساكنة. هذه الحوارات ساهمت في إرساء مناخ أقل تناقضًا وأكثر تواصلًا بين مختلف الأطراف، بالرغم من استمرار وجود اختلافات في القراءات والتحليلات بين باحثين، ناشطين اجتماعيين، ومتابعين للشأن المحلي.
كما أدى هذا التوسع الاقتصادي إلى رفع وتيرة التعاون مع مؤسسات وطنية ودولية، وهي شراكات يُنظر إليها كفرص لنقل المعرفة، جلب التكنولوجيا الحديثة، وتطوير الكفاءات المحلية. فاليوم، أصبحت العيون ليست مجرد مدينة مغربية على أطراف الصحراء، بل منصة للتجارب التنموية المبتكرة، ومركزًا يتفاعل مع ديناميات الاقتصاد العالمي والإقليمي.
ولا يمكن إغفال الأثر الاجتماعي لهذا النمو، حيث بدأت أنماط الحياة تتغير مع ارتفاع مستوى الخدمات، انتشار مراكز التكوين، ونمو الأنشطة الثقافية والفنية، وهو ما يسهم في تحريك المشهد الاجتماعي داخل المدينة، ويعزز من إشراك الشباب والنساء في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بشكل أكبر مما كان عليه الوضع في الماضي.
وسط هذه التحولات، تبرز العيون اليوم كقصة نجاح مرتبطة بشكل وثيق بالقدرة على إدارة النفوذ بين السياسة والاقتصاد، وتوفير بيئة يستطيع فيها الاستثمار أن يتفاعل مع تطلعات الساكنة. وهذا ما يجعل المدينة في موقع استثنائي على خارطة التنمية المحلية والعمرانية في المغرب، ويمنحها قدرة أكبر على جذب المشاريع، الكفاءات، والرؤى التي تطمح إلى بناء مستقبل مستدام ومتوازن.




