الصحراء بلوس-العيون
أثار قرار تنظيم تصدير السردين المجمد نقاشاً واسعاً في الأوساط المهنية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث اختلطت المعطيات الدقيقة بتأويلات متسرعة حاولت تصوير الإجراء كأنه استهداف مباشر لوحدات التصنيع أو ضربة موجعة للمهنيين، بينما الواقع يؤكد أن القرار يندرج ضمن تدبير مرحلي مرتبط بحماية السوق الوطني وضمان استقرار التموين والأسعار. القرار الصادر عن كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري والمؤطر تنظيمياً ضمن العدد 8454 من الجريدة الرسمية بتاريخ 26 يناير 2026، لا يتعلق بإغلاق المصانع ولا بتوقيف نشاط وحدات التحويل كما يتم الترويج له، بل يخص حصرياً تنظيم وتقييد تصدير السردين في شكله المجمد عبر إخضاعه لنظام الترخيص المسبق لمدة محددة، وهو ما يعني أن الإجراء يستهدف وحدات التجميد الموجهة للتصدير دون أن يشمل نشاط تعليب السردين أو باقي المنتجات البحرية التي يظل تصديرها مفتوحاً وفق القوانين الجاري بها العمل.
هذا التمييز أساسي لأنه يوضح أن الدولة لم تتجه نحو تعطيل القطاع أو ضرب الإنتاج، بل نحو ضبط آلية التصدير في ظرفية خاصة تتسم بتراجع ملحوظ في مخزون السردين خلال السنوات الأخيرة، وانخفاض المصطادات مقارنة بسنوات سابقة، ما انعكس بشكل مباشر على العرض داخل الأسواق الوطنية وتسبب في ارتفاع الأسعار خلال فترات متفرقة، وهو ما أثر على القدرة الشرائية للمواطن المغربي، خاصة أن السردين يعد من أكثر الأسماك استهلاكاً داخل الأسر المغربية ويمثل رمزاً للغذاء الشعبي. في هذا السياق يأتي القرار في إطار منطق الأولوية الوطنية عبر ضمان تموين السوق الداخلي قبل توجيه المنتوج إلى الخارج، حفاظاً على الأمن الغذائي البحري وتحقيق توازن واقعي بين متطلبات التصدير ومصلحة المواطن في الاستفادة من ثرواته البحرية بأثمنة معقولة. كما أن هذا الإجراء يبقى قابلاً للمراجعة والتخفيف كلما تحسنت المؤشرات وعادت الوفرة، وهو ما يجعل منه تدبيراً مرناً لا قراراً نهائياً أو إجراءً دائماً. ويحسَب لكتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، بقيادة السيدة زكية الدريوش، أنها اتخذت خطوة تتطلب شجاعة سياسية ومسؤولية مؤسساتية، لأن القرارات الكبرى في القطاعات الاستراتيجية لا تبنى على منطق الشعبوية بل على قراءة دقيقة لمعطيات المخزون والتسويق والاستدامة. كما أن أبناء القطاع من مهنيين وأطر وتقنيين يدركون أكثر من غيرهم حساسية التوازن بين حماية المخزون وتلبية الطلب الداخلي وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي، لذلك يصبح النقاش المطلوب هو نقاش مؤسس على الأرقام والحقائق وليس على انطباعات أو قراءات مجتزأة.
ما يثير الانتباه أن بعض الأطراف اختارت تضخيم القرار وتقديمه للرأي العام كأنه استهداف مقصود أو قرار ارتجالي، في حين أن المعطيات الموضوعية تشير إلى كونه إجراءً تنظيمياً ظرفياً تفرضه أوضاع السوق ومؤشرات المخزون، بينما تضليل الرأي العام لا يخدم سوى أجندات ضيقة تغذي الشك وتخلق التوتر بدل ترسيخ ثقافة المعلومة الدقيقة. حماية الثروة السمكية مسؤولية وطنية مشتركة وتدبيرها يقتضي أحياناً قرارات غير شعبوية لكنها ضرورية لضمان الاستدامة، خصوصاً أن الثروة البحرية ليست مجالاً للمزايدات بل رصيد استراتيجي يرتبط بالأمن الغذائي والاجتماعي للمغاربة. القرار في جوهره ليس منعاً مطلقاً ولا حرباً على المهنيين، بل تنظيم مرحلي يوازن بين مصلحة الاقتصاد الوطني وحق المواطن في منتوج بحري أساسي، وفي لحظة تحتاج فيها البلاد إلى الحكمة والواقعية بدل الضجيج الذي يختلط فيه الرأي بالمصالح الشخصية.




