مدريد تسرع نهاية نزاع الصحراء وتفتح الباب أمام تسوية نهائية على أساس الحكم الذاتي المغربي

هيئة التحرير11 فبراير 2026آخر تحديث :
مدريد تسرع نهاية نزاع الصحراء وتفتح الباب أمام تسوية نهائية على أساس الحكم الذاتي المغربي

الصحراء بلوس- فاطمة غزال

دخل ملف قضية الصحراء مرحلة سياسية دقيقة وحاسمة، بعدما أعادت مفاوضات مدريد الأخيرة ترتيب أوراق النزاع بشكل غير مسبوق، ووضعت الأطراف المعنية أمام منعطف يوصف من طرف متابعين بـ”مرحلة اللاعودة”، خصوصا بعد نجاح الولايات المتحدة في جمع المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو وموريتانيا في طاولة واحدة، رغم القطيعة السياسية الحادة بين الرباط والجزائر، ورفض هذه الأخيرة لسنوات طويلة الاعتراف بكونها طرفا مباشرا في النزاع.

وأكدت وسائل إعلام متطابقة أن اجتماع مدريد لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل خطوة مدروسة تحمل رسائل قوية للمجتمع الدولي، مفادها أن مرحلة التسويف قد انتهت، وأن مسار الحل أصبح يتحرك وفق إيقاع جديد تقوده واشنطن، بتنسيق مع الأمم المتحدة، ووفق سقف واضح يحدده قرار مجلس الأمن رقم 2797.

ويرى محللون أن مشاركة الجزائر والبوليساريو في مفاوضات مباشرة مع المغرب، تحت رعاية أمريكية، يمثل تحولا نوعيا في طبيعة النزاع، لأن هذا التطور يسقط فعليا الخطاب التقليدي القائم على “عدم الاعتراف بالطرف” أو محاولة تحويل الملف إلى نزاع ثنائي بين المغرب والبوليساريو فقط، وهو ما ظل يشكل إحدى أبرز العقبات أمام أي حل سياسي خلال العقود الماضية.

وفي هذا السياق، شدد الخبير في الشؤون الدولية خالد الشيات على أن المفاوضات الأخيرة لم تترك مجالا للحديث عن رفض الحكم الذاتي، معتبرا أن الملف أصبح محكوما بسقف دولي واضح، وأن المقترح المغربي لم يعد مجرد مبادرة مطروحة للنقاش، بل تحول إلى الإطار الواقعي الوحيد الذي يشتغل عليه المجتمع الدولي باعتباره الحل الأكثر جدية ومصداقية.

وأوضح متابعون أن ما ميز لقاء مدريد، حسب ما تم تداوله، هو دخول المغرب إلى المفاوضات بمقترح مفصل، يتجاوز الطرح السياسي العام إلى تصور عملي للتنزيل، وهو ما يعكس، حسب مراقبين، أن الرباط لم تعد تكتفي بالدفاع عن المبادرة، بل أصبحت تقدمها كحل جاهز للتطبيق ينتظر فقط التوافق على آليات التنفيذ والضمانات الدولية.

ويشار إلى أن الرعاية الأمريكية العلنية لهذه الجولة أعطت المفاوضات زخما قويا، خصوصا بعد إعلان التمثيلية الدائمة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة في نيويورك عن انطلاق المشاورات بمشاركة وفود رفيعة من واشنطن والأمم المتحدة، وهو إعلان يعد بمثابة اعتراف دولي مباشر بأن الجزائر طرف محوري لا يمكن تجاوز دوره في أي تسوية قادمة.

وأكدت ذات التمثيلية أن النقاشات تركزت حول تنزيل قرار مجلس الأمن رقم 2797، وهو ما يعزز فرضية أن المرحلة القادمة لن تكون مرحلة “إطلاق المبادرات”، بل مرحلة تنزيل الحلول الجاهزة، وفي مقدمتها الحكم الذاتي المغربي الذي بات يحظى بدعم متزايد من القوى الدولية الكبرى.

وتشير المعطيات المسربة إلى حضور شخصيات أمريكية بارزة، من بينها مايكل والتز، الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، ومسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والعربية، إلى جانب المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، وهو حضور يحمل دلالة سياسية قوية بأن واشنطن قررت الانتقال من دور المتابع إلى دور المبادر والضامن، بما يعكس رغبة أمريكية في إغلاق هذا الملف داخل الأمم المتحدة في أقرب الآجال الممكنة.

ومن جهة أخرى، أكد متابعون أن حضور وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة يعكس جدية المغرب في التعاطي مع هذه الجولة، في وقت شارك فيه وزراء خارجية الجزائر وموريتانيا أيضا، بينما مثل البوليساريو محمد يسلم بيسط، ما يدل على أن اللقاء لم يكن تقنيا أو ثانويا، بل مفاوضات سياسية رفيعة المستوى هدفها صياغة ملامح المرحلة المقبلة.

ويعد هذا التطور مؤشرا على أن الأطراف أصبحت مجبرة على التعامل مع واقع جديد، حيث لم يعد ممكنا استمرار النزاع بمنطق المناورات الإعلامية أو الصراعات الدبلوماسية، خصوصا في ظل التغيرات الدولية المتسارعة، والتحولات الأمنية في منطقة الساحل، وتزايد الضغوط الدولية لإيجاد حل نهائي يضمن الاستقرار ويقطع الطريق أمام الفوضى والتهديدات العابرة للحدود.

وفي هذا الإطار، يرى مراقبون أن الولايات المتحدة تعمل على تسوية الملف بمنطق “لا غالب ولا مغلوب”، وهو الطرح الذي يتقاطع مع الرؤية المغربية القائمة على منح الأقاليم الجنوبية حكما ذاتيا موسعا تحت السيادة المغربية، بما يضمن كرامة السكان المحليين ويحفظ استقرار المنطقة دون المساس بالوحدة الترابية للمملكة.

كما أشار محللون إلى أن الجزائر تجد نفسها اليوم أمام معادلة صعبة، لأنها دفعت علاقاتها مع المغرب نحو أقصى درجات التأزم، وهو ما يجعل أي تراجع سياسي داخليا مكلفا، غير أن استمرارها في التصعيد لم يعد خيارا واقعيا أمام ضغط القرار الأممي والوساطة الأمريكية المتقدمة.

و أعادت مفاوضات مدريد  النزاع إلى نقطة الحسم بدل التكرار، وأعطت مؤشرات واضحة على أن المجتمع الدولي يتجه نحو حل عملي بدل الحلول النظرية، وأن الحكم الذاتي المغربي لم يعد مقترحا من بين مقترحات، بل أصبح المسار الوحيد القابل للتنفيذ في ظل الشرعية الدولية والدفع الأمريكي المتزايد.

وفي انتظار ما ستسفر عنه الجولات المقبلة، يبدو أن الملف دخل بالفعل مرحلة جديدة، عنوانها الواقعية السياسية وتغليب منطق التسوية النهائية، وهو ما يجعل نزاع الصحراء أقرب من أي وقت مضى إلى لحظة الحسم التاريخي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة