واشنطن تعيد رسم مسار الحل وتعيد ملف الصحراء إلى واجهة القرار الدولي

هيئة التحرير10 فبراير 2026آخر تحديث :
Screenshot
Screenshot

 

 

 

الصحراء بلوس- محمد فاضل أباحازم

 

 

 

عاد ملف الصحراء إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة ليس في سياق التصريحات التقليدية أو السجالات الدبلوماسية المعتادة، بل في إطار تحركات توحي بأن مرحلة جديدة بدأت تتشكل بهدوء داخل كواليس السياسة الدولية، خصوصا بعد ما تداولته تقارير إعلامية دولية حول لقاءات جرت في مدريد تحت رعاية أمريكية غير معلنة بشكل رسمي، وهو ما اعتبره متابعون مؤشرا واضحا على أن واشنطن لم تعد ترغب في استمرار حالة الجمود التي طبعت هذا النزاع لعقود، بل باتت تسعى إلى فرض إيقاع سياسي مختلف يسرع من الانتقال نحو حل واقعي قابل للتنفيذ.

وحسب متابعين فإن ما يميز هذه المرحلة هو انتقال الولايات المتحدة من دور الداعم أو المراقب إلى دور الفاعل المباشر في توجيه مسار الملف، وهو ما يرى سياسيون أنه يعكس إدراكا أمريكيا بأن قضية الصحراء لم تعد ملفا معزولا عن التحولات الأمنية والاقتصادية في المنطقة، بل أصبحت مرتبطة بالاستقرار الاستراتيجي لشمال إفريقيا والساحل وبحسابات النفوذ الدولي في ظل تنافس القوى الكبرى، وتعد هذه المعطيات سببا رئيسيا في عودة الملف إلى صدارة الاهتمام الدولي بعدما ظل لفترات طويلة رهينا بمسارات تفاوضية بطيئة ومفتوحة على التأجيل المستمر.

ويشار إلى أن اختيار مدريد كمسرح لهذه التحركات ليس صدفة سياسية، بل يحمل دلالات رمزية وتاريخية، ويعكس أيضا رغبة في إدارة النقاش داخل فضاء أوروبي يعرف الملف عن قرب ويملك ارتباطا مباشرا به، كما أن التحول الذي عرفه الموقف الإسباني خلال السنوات الأخيرة منح مدريد وضعا جديدا يجعلها قادرة على لعب دور منصة تواصلية بدل أن تكون طرفا مرتبكا في المعادلة، وهو ما جعلها تعود إلى قلب الملف من بوابة التنسيق مع واشنطن والاشتغال على مقاربة أكثر واقعية.

ويرى سياسيون أن أبرز ما يمكن استخلاصه من هذا المسار هو أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية أصبحت اليوم هي الأرضية الأكثر حضورا في النقاش الدولي، ولم تعد مجرد اقتراح ضمن مقترحات متعددة، بل تحولت إلى خيار يتم التعامل معه كمرجعية سياسية قابلة للتطوير والتفاوض حول تفاصيلها، وهو ما يؤكد أن ميزان الشرعية الدبلوماسية بدأ يميل بشكل متزايد نحو المقاربة المغربية التي تستند إلى منطق الحل العملي بدل منطق الطرح الأيديولوجي الذي لم ينتج سوى استمرار الأزمة وتعقيدها.

وتعد الصورة التي جرى تداولها في سياق هذه التطورات، والتي تجمع بين مسؤولين أمريكيين وشخصيات مرتبطة بالملف داخل الأمم المتحدة، إشارة سياسية قوية إلى أن المرحلة المقبلة ستعرف تكثيفا للمشاورات وربما ضغطا ناعما لإعادة ترتيب التوازنات، كما أن هذا المشهد يعكس أن الملف لم يعد يدار فقط بمنطق الوساطة الأممية التقليدية، بل أصبح جزءا من رؤية دولية أشمل تسعى إلى خلق استقرار دائم بالمنطقة عبر حلول قابلة للتنزيل على الأرض.

ويشار أيضا إلى أن غياب بلاغ رسمي موحد أو مؤتمر صحفي بعد هذه اللقاءات قد يكون في حد ذاته رسالة سياسية، مفادها أن المفاوضات دخلت طورا حساسا لا يحتمل التصعيد الإعلامي، وأن الأطراف المعنية تفضل العمل في صمت لتفادي ردود الفعل المتشنجة أو الحسابات الداخلية لبعض الأطراف، وهو ما يعتبره متابعون أسلوبا دبلوماسيا معتادا عندما تكون الملفات في مرحلة إعادة البناء والتفاوض حول التفاصيل وليس فقط تبادل المواقف العامة.

وجذير بالذكر أن هذا التحول يتزامن مع سياق دولي متغير، حيث تتجه القوى الكبرى إلى إنهاء النزاعات المزمنة التي تستنزف الاستقرار الإقليمي، خصوصا في المناطق التي أصبحت مسرحا لتهديدات أمنية متزايدة مثل الإرهاب والهجرة غير النظامية وشبكات الجريمة العابرة للحدود، وهو ما يجعل قضية الصحراء اليوم ملفا مرتبطا بمصالح دولية مباشرة، وليس فقط نزاعا سياسيا إقليميا كما كان ينظر إليه سابقا.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه في هذه المرحلة هو هل نحن أمام بداية مسار جديد سينتهي بتسوية نهائية تعيد ترتيب المشهد السياسي في المنطقة، أم أن الأطراف الأخرى ستستمر في نهج المناورة وكسب الوقت رغم تغير موازين القوى الدبلوماسية، وفي كل الحالات فإن ما يحدث اليوم يؤكد أن ملف الصحراء عاد بقوة إلى طاولة القرار الدولي، وأن واشنطن يبدو أنها اختارت أن تكتب الفصل القادم من هذا النزاع بإيقاع أسرع وبمنطق مختلف عنوانه الواقعية السياسية بدل الانتظار المفتوح على المجهول .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة