الصحراء بلوس-ليلى رحمو
تدخل العلاقات المغربية الجزائرية واحدة من أكثر محطاتها حساسية، مع اقتراب انتهاء المهلة التي أعلنت عنها الولايات المتحدة لدفع الطرفين نحو تفاهم سياسي يخفف من حدة التوتر المزمن بين الجارتين. مهلة قصيرة زمنياً، لكنها محمّلة برهانات ثقيلة، لا تتعلق فقط بمصير وساطة أمريكية، بل بمستقبل معادلة إقليمية ظلّت لعقود رهينة القطيعة والشكوك المتبادلة.
منذ استقلال البلدين، لم تنجح الروابط الجغرافية والتاريخية في ترجمة نفسها إلى شراكة سياسية مستقرة. بل على العكس، تحوّلت الحدود المغلقة والخلافات العميقة، وعلى رأسها ملف الصحراء، إلى عناوين ثابتة لعلاقة يغلب عليها منطق الصراع البارد. واليوم، تحاول واشنطن أن تقتحم هذا المشهد المعقّد بوساطة توصف بالجريئة، واضعة سقفاً زمنياً طموحاً لإحداث اختراق طال انتظاره.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في انتهاء المهلة أو تمديدها، بقدر ما يكمن في طبيعة الأزمة نفسها. فالعلاقات المغربية الجزائرية ليست أزمة ظرفية يمكن حلّها ببيان سياسي أو لقاء بروتوكولي، بل هي نتيجة تراكمات طويلة من انعدام الثقة، وتباين الرؤى الإستراتيجية، وتنافس غير معلن على النفوذ الإقليمي. لذلك، تبدو فكرة “اتفاق سلام” شامل في وقت وجيز أقرب إلى الطموح السياسي منها إلى الواقعية الدبلوماسية.
في هذا السياق، تسعى الولايات المتحدة إلى تقديم نفسها كوسيط محايد، مدفوعة باعتبارات تتجاوز ثنائية الرباط والجزائر، نحو استقرار شمال إفريقيا ككل. فتهدئة هذا التوتر من شأنها أن تفتح آفاقاً أوسع للتعاون في ملفات الأمن الإقليمي، والهجرة غير النظامية، والطاقة، وحتى إعادة بعث المشروع المغاربي المتعثر. لكن نجاح هذا الدور يبقى مشروطاً بمدى استعداد الطرفين للتفاعل مع الوساطة، بعيداً عن الحسابات الداخلية الضيقة.
القراءة التحليلية لمسار الوساطة توحي بأن السيناريو الأكثر واقعية لا يتمثل في اختراق كبير ومفاجئ، بل في خطوات تدريجية صغيرة، قد تبدو محدودة في ظاهرها، لكنها تحمل دلالات سياسية عميقة. فتح قنوات اتصال غير مباشرة، أو تفاهمات تقنية حول قضايا أمنية أو اقتصادية، قد يشكل بداية لكسر الجليد، دون أن يفرض على أي طرف تنازلات محرجة في هذه المرحلة.
في المقابل، فإن فشل المساعي الحالية أو دخولها في حالة جمود جديد قد يعيد إنتاج نفس الدائرة المغلقة، بل وقد يفتح المجال أمام تدخلات خارجية أخرى تستثمر في استمرار التوتر لتعزيز مواقعها في المنطقة. وهو ما يجعل لحظة الانتظار الحالية محمّلة بالقلق بقدر ما هي مشحونة بالأمل.
وعليه، فإن انتهاء المهلة الأمريكية لا ينبغي أن يُقرأ كنقطة نهاية، بل كمؤشر على مسار أطول وأعقد. فالمستقبل الحقيقي للعلاقات المغربية الجزائرية لن يُحسم بعدد الأيام المتبقية، بل بقدرة الطرفين على إعادة تعريف العلاقة من منطق الصراع إلى منطق التدبير العقلاني للخلاف. وبين ثقل التاريخ وضغط الجغرافيا، تبقى المنطقة بأكملها في انتظار ما إذا كانت هذه اللحظة ستشكّل بداية تحول هادئ… أم مجرد محطة أخرى في سجل الانتظار الطويل.




