مولاي عباس.. رجل الصحراء الذي خدم الوطن بصمت ورحل مخلِّفًا سيرةً من الوفاء والنزاهة

هيئة التحرير13 أكتوبر 2025آخر تحديث :
مولاي عباس.. رجل الصحراء الذي خدم الوطن بصمت ورحل مخلِّفًا سيرةً من الوفاء والنزاهة

الصحراء بلوس-شيماء بنان

في ذاكرة الصحراء، حيث الرجال يُقاسون بمواقفهم لا بأقوالهم، يسطع اسم مولاي عباس كأحد الوجوه النادرة التي جمعت بين النضال والإخلاص والتواضع. لم يكن مجرد مسؤول في وزارة الداخلية، بل كان رمزًا للالتزام الوطني، ورجلًا عاش بسيطًا ومات مهابًا، تاركًا وراءه أثرًا لا يُمحى في نفوس من عرفوه وخبروه.

ولد مولاي عباس في مدينة العيون بعد أن استقر والده فيها قادمًا من طرفاية، وسط بيئة صحراوية طبعها الصبر والكرم والوفاء. منذ شبابه، حمل في قلبه إيمانًا عميقًا بالوطن، فالتحق بصفوف جيش التحرير المغربي ليشارك في معارك الاستقلال ويذود عن تراب الوطن الغالي. هناك، تعلم أن خدمة المغرب ليست شعارًا يُقال، بل مسؤولية تُعاش بالعرق والتضحية.

بعد سنوات من النضال، تولى مولاي عباس مسؤوليات ميدانية عدة، كان أبرزها قيادة مركز تافودارت، حيث عُرف بقربه من الناس وحرصه على قضاء مصالحهم. لم يكن يرى في السلطة وسيلة للوجاهة، بل أمانة لخدمة البسطاء. ثم عُيّن عاملاً ملحقًا بوزارة الداخلية سنة 1994، فحمل معه إلى الإدارة روح الميدان، وضمير الإنسان الصحراوي النبيل الذي لا يكلّ من خدمة أهله ووطنه حتى آخر لحظة من حياته.

كان الرجل، بشهادة من رافقوه، شجاعًا في قراراته، نزيهًا في تعامله، كريمًا في طباعه. بيته ظلّ مفتوحًا لكل من يقصده، لا يُفرّق بين مواطن وآخر، ولا يتحدث من منبر عالٍ، بل من قلب يعرف معاناة الناس وآمالهم. وفي زمنٍ كانت الثقة في المسؤول عملة نادرة، كان مولاي عباس مثالًا ناصعًا للمسؤول الذي يخدم بضمير حيّ ووجهٍ بشوش.

رحل مولاي عباس في عام 2001، لكن اسمه ظلّ حاضرًا في ذاكرة العيون وأهالي الصحراء. رحل جسدًا، وبقي أثره في القلوب، ترويه الألسن كلما ذُكرت النزاهة أو استُحضرت المروءة.

ومع مرور السنين، عادت سيرته إلى الواجهة بعدما واجهت ابنته سكينة مولاي عباس قرارًا يقضي بإفراغ منزل العائلة. غير أن البيت، في رمزيته، أكبر من جدرانٍ وسقف؛ إنه شاهد على سيرة رجل عاش شريفًا وخدم وطنه بتفانٍ نادر، وترك إرثًا أخلاقيًا ينبغي أن يُصان كما يُصان التاريخ.

إن الحديث عن مولاي عباس ليس استرجاعًا لماضٍ بعيد، بل تذكير بأن المسؤول الحقيقي هو من يرى في المنصب واجبًا لا امتيازًا، وفي السلطة خدمةً لا سلطة. في زمنٍ تتغير فيه الوجوه والأسماء، يظل مولاي عباس عنوانًا لمرحلة من الوفاء الوطني والصدق الإنساني، ورمزًا لرجلٍ من الصحراء أحب المغرب، فأحبّه الناس

يبقى اسم مولاي عباس محفورًا في ذاكرة الوطن، ليس بما ترك من مناصب أو أوسمة، بل بما غرس من قيمٍ في وجدان من عرفوه أو سمعوا عنه. فقد جسّد معنى المسؤولية النبيلة، وأثبت أن خدمة الوطن لا تحتاج إلى شعارات بقدر ما تحتاج إلى رجالٍ يؤمنون بأن العطاء بصمت هو أبلغ أشكال الوفاء. رحم الله مولاي عباس، فقد رحل الجسد وبقي الأثر، وبقيت سيرته شاهدة على زمنٍ كان فيه الصدق عنوان الرجال

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقات تعليق واحد
اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
  • Mbatou moulay abbas
    Mbatou moulay abbas 13 أكتوبر 2025 - 1:33

    اجازيكم بالخير و الله يرحم والدي مولاي عباس غير النص فيه ياسر من المغالطات

الاخبار العاجلة