“الصحراء بلوس”بقلم: مباركة خيار
لم يعد البحر الأبيض المتوسط وحده يحتكر مشاهد المآسي الإنسانية للهجرة غير النظامية، فمع تشديد الخناق الأمني على معابره التقليدية، تحوّل المحيط الأطلسي إلى الطريق الجديد نحو الحلم الأوروبي، لكن بثمن فادح.
فخلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2024، ابتلع الأطلسي أكثر من خمسة آلاف مهاجر إفريقي في واحدة من أكثر موجات الموت مأساوية في التاريخ الحديث للهجرة.
إنها ليست مجرد أرقام، بل قصص أمهاتٍ وأطفالٍ وشبابٍ فرّوا من الجفاف والحروب والفقر، ليجدوا أنفسهم عالقين بين موجٍ لا يرحم وصمتٍ دوليٍّ يختزل مأساتهم في تقارير موسمية.
من المتوسط إلى الأطلسي: تشديد القيود وتحوّل المسارات
لسنواتٍ طويلة، ظلّ البحر الأبيض المتوسط بوابة المهاجرين نحو الضفة الشمالية، لكن الإجراءات الأمنية المشددة التي اتخذتها دول شمال إفريقيا بتنسيق مع الاتحاد الأوروبي غيّرت المعادلة.
فقد وقعت أوروبا اتفاقيات متعددة مع تونس وليبيا ومصر والمغرب لتقييد تدفقات المهاجرين، ما جعل طريق المتوسط أكثر صعوبة وأعلى تكلفة، ودفع آلاف المهاجرين إلى التوجه غربًا نحو السواحل الأطلسية لموريتانيا والسنغال، في رحلة أطول وأخطر.
تشير التقارير إلى أن طريق الأطلسي يستأثر اليوم بنحو 95% من وفيات المهاجرين، إذ يُقدَّر أن واحدًا من كل ستة عشر شخصًا يفقد حياته قبل الوصول إلى جزر الكناري الإسبانية.
غياب الإنقاذ… وحضور الموت
يؤكد خبراء الهجرة أن غياب آليات الإنقاذ والمراقبة في المحيط الأطلسي يجعل من هذا المسار واحدًا من أخطر الطرق في العالم.
فالقوارب المتهالكة التي تُستخدم في الرحلات لا تصلح للإبحار في محيطٍ مفتوح، والعواصف والتيارات القوية تجعل فرص النجاة شبه معدومة.
ورغم معرفة المهاجرين بهذه الأخطار، إلا أن اليأس من الواقع الاقتصادي والاجتماعي في بلدانهم يدفعهم إلى المجازفة بحياتهم بحثًا عن “أوروبا الأمل”.
يقول أحد الناجين من رحلة الموت:
“الموت في البحر أهون من الموت ببطء في الوطن.”
⸻
الأطلسي… طريق جديد من إنتاج السياسات القديمة
الهجرة عبر الأطلسي ليست ظاهرة معزولة، بل نتيجة مباشرة لما يسميه الخبراء “تصدير الحدود الأوروبية”، أي نقل مراقبة الهجرة إلى الضفة الإفريقية من خلال اتفاقيات أمنية وتمويلات مشروطة.
لكن هذه السياسات، بدل أن تحدّ من الهجرة، دفعت المهاجرين إلى البحث عن مسالك جديدة أكثر خطورة، لتصبح موريتانيا والمغرب والسنغال نقطة الانطلاق الرئيسية، وتتحمل جزر الكناري الإسبانية العبء الأكبر من التدفقات.

المغرب.. رؤية إنسانية ومسؤولية مشتركة
وسط هذا المشهد القاتم، يبرز المغرب كنموذج فريد في تدبير ملف الهجرة، عبر مقاربة إنسانية متكاملة تجمع بين الأمن والتنمية والاندماج.
فمنذ إطلاق الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء سنة 2014، تبنّت المملكة سياسة احتضان ودمج المهاجرين، من خلال تسوية أوضاع الآلاف من إفريقيا جنوب الصحراء، وضمان حقوقهم في الصحة والتعليم والعمل، دون تمييز أو تهميش.
كما تمكنت السلطات المغربية من إحباط أكثر من 366 ألف محاولة للهجرة غير النظامية خلال السنوات الخمس الأخيرة، وتفكيك آلاف الشبكات الإجرامية المتورطة في تهريب البشر، مع الحفاظ على الطابع الإنساني للتدخلات.
ويؤكد منسق الشبكة الإفريقية للهجرة والتنمية، عبد الفتاح الزين، أن “المغرب لا يطرد المهاجرين بل يعيد توزيعهم داخل التراب الوطني لحمايتهم من الخطر، لأنه يتعامل مع الظاهرة من منطلق إنساني يحترم الحق في الحياة والكرامة”.
الهجرة.. دين استعماري لا يزال قائماً
تصف العديد من الأصوات الإفريقية ظاهرة الهجرة بأنها “دين استعماري” على أوروبا، إذ تتحمل القوى الاستعمارية السابقة مسؤولية التدهور الاقتصادي والاجتماعي في القارة، بعد قرون من استنزاف الثروات وعرقلة التنمية.
ويرى مراقبون أن الحلول الأمنية لا يمكن أن توقف نزيف الأرواح، لأن الهجرة نتاج طبيعي لغياب العدالة والتنمية، وليست مجرد ظاهرة عابرة.
إن العدالة في توزيع الثروة، والاستثمار في التنمية المحلية، وتعزيز التعليم والفرص داخل القارة، هي وحدها الكفيلة بإيقاف هذا النزيف البشري نحو البحر.
الأطلسي… مرآة إنسانية لوجع القارة
من سواحل دكار ونواكشوط إلى العيون والكناري، تمتد رحلة البحث عن الحياة في وجه الموت.
رحلة تختصر واقع إفريقيا الموجوع، وتكشف حدود السياسات الأوروبية في مواجهة واقعٍ صنعته بنفسها.
إن الهجرة عبر الأطلسي ليست مجرد أرقام في تقارير المنظمات، بل نداء مفتوح للضمير الإنساني كي يرى في المهاجرين بشرًا لا تهديدًا، وأحلامًا لا أعباء.
فما لم تتغير جذور الأزمة، سيظل البحر الأطلسي يبتلع أحلام الشباب، وسيظل الأفق الأوروبي وعودًا بعيدة على حافة الموج





