تقاطع قانون الصحافة والنشر مع القانون الجنائي: بين حماية الحريات وضبط المسؤوليات

هيئة التحرير14 أبريل 2025آخر تحديث :
تقاطع قانون الصحافة والنشر مع القانون الجنائي: بين حماية الحريات وضبط المسؤوليات

 

بقلم ذ. محمد البشير لنصار

 

 

 

يُعدّ قانون الصحافة والنشر من أبرز القوانين التي ترسّخ حرية التعبير والرأي، وتؤطر العمل الإعلامي ضمن بيئة قانونية تكفل للصحفيين ممارسة مهنتهم بكل مسؤولية. غير أن هذه الحرية ليست مطلقة، بل تُقيّدها مجموعة من الضوابط القانونية التي تستمد أساسها من التشريعات الوطنية، وفي مقدمتها القانون الجنائي، الذي يتدخل في حالات معينة لضمان توازن دقيق بين حرية الإعلام وحقوق الأفراد والمجتمع.

 

إن أول نقطة تقاطع واضحة بين القانونين تتمثل في مضمون الفصل 25 من الدستور المغربي، الذي يكرّس حرية الفكر والرأي والتعبير، لكنه يقرن هذه الحرية بضرورة احترام القوانين الجاري بها العمل. وهو ما يُفسّر الإحالة المتكررة، في نصوص قانون الصحافة، على مقتضيات جنائية في حالة ارتكاب أفعال تُجرّم بموجب القانون العام، كالقذف، والسب، والتشهير، والتحريض على الكراهية أو العنف.

ويُلاحظ من خلال استقراء مقتضيات قانون الصحافة والنشر رقم 88.13، أن المشرع حرص على إبعاد العقوبات السالبة للحرية عن الصحفيين، واستعاض عنها بغرامات مالية في الغالب، مما يشكل طفرة تشريعية إيجابية في مجال دعم حرية الصحافة. لكن بالرغم من هذا التوجّه، فإن بعض الأفعال المرتكبة من طرف الصحفي أو المؤسسة الإعلامية، قد تشكّل جرائم يعاقب عليها بموجب القانون الجنائي، الأمر الذي يعيد طرح إشكالية “الازدواجية” في المتابعة، بين ما هو مهني تنظمه قوانين خاصة، وما هو عام يخضع لقواعد الزجر الجنائي.

وتبرز هذه الإشكالية بشكل أكبر في القضايا المتعلقة بالقذف والسب الموجه ضد الهيئات العمومية، أو نشر الأخبار الزائفة، إذ يمكن أن تُتابع هذه الأفعال تحت غطاء قانون الصحافة، أو يتم تكييفها من قبل النيابة العامة ضمن نصوص القانون الجنائي، خاصة عندما يتعلق الأمر بأمن الدولة، أو النظام العام، أو المؤسسات الدستورية.

 

 

 

إن هذا التقاطع بين القانونين يستوجب تحديدًا دقيقًا للضوابط، ضمانًا لأمن قانوني واضح للفاعلين في الحقل الإعلامي، وتفاديًا للاجتهادات القضائية المتباينة، التي قد تُفضي أحيانًا إلى تقييد غير مباشر لحرية التعبير، بسبب توسيع التأويلات للنصوص الجنائية.

ولا يخفى أن ضمان التوازن بين حرية الصحافة وحماية الحقوق، يتطلب إصلاحًا تشريعيًا متكاملًا يُعيد رسم الحدود الفاصلة بين الاختصاص المهني والتنظيمي لمدونة الصحافة، وبين ما يُفترض أن يبقى خاضعًا للمساءلة الجنائية في حالات استثنائية فقط. كما يُستحسن التنصيص على إلزامية اعتماد قانون الصحافة كمرجعية أولى في القضايا ذات الطابع الإعلامي، قبل اللجوء إلى تكييف جنائي عام.

وفي هذا السياق، فإن العمل القضائي يلعب دورًا حاسمًا في توجيه الممارسة القانونية نحو تكريس حرية التعبير دون المساس بحقوق الأفراد أو انتهاك القانون. وهو ما يفرض على القضاء المغربي، اليوم، اعتماد تأويلات منفتحة وحديثة، تُراعي التحولات المجتمعية، وتُوازن بين مصلحة المجتمع في إعلام حرّ ومسؤول، وحق الأفراد في الكرامة والخصوصية.

 

 

 

إن تقاطع قانون الصحافة والنشر مع القانون الجنائي يُمثّل امتحانًا حقيقيًا لمدى نضج المنظومة القانونية المغربية في تعاملها مع قضايا حرية التعبير. وهو تقاطع ينبغي أن يُدار بحذر وتبصّر، من خلال مقاربة حقوقية تضمن للصحفيين هامشًا معقولًا من الحرية، دون أن تُحوّل هذه الحرية إلى مبرّر للإفلات من المحاسبة، أو إلى ذريعة للحدّ من حق المجتمع في إعلام نزيه ومسؤول.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة