الصحراء بلوس
شهدت سواحل مدينة العيون، صباح اليوم، حادثاً بحرياً جديداً تمثل في اختفاء أحد بحارة مركب صيد السردين “بونو 1″، بعد سقوطه في البحر في ظروف لا تزال مجهولة، في واقعة أعادت إلى الواجهة المخاطر اليومية التي تواجه رجال البحر أثناء مزاولتهم لمهنتهم، وفتحت من جديد باب التساؤلات حول مدى نجاعة إجراءات الوقاية والسلامة على متن مراكب الصيد الساحلي.
ووفق معطيات متطابقة، فقد انتبه طاقم المركب إلى غياب البحار، ليتم مباشرة عمليات البحث بشكل عاجل، حيث عمد ربان المركب إلى تمشيط المسار الذي سلكه المركب، إلى جانب إعادة تفقد المنطقة التي كان ينشط بها في عمليات صيد السردين، أملاً في العثور عليه، غير أن جميع المحاولات باءت بالفشل.
وعلى إثر ذلك، تم إشعار مندوبية الصيد البحري بالعيون بالحادث، حيث جرى تفعيل الإجراءات المعمول بها في مثل هذه الحالات، وإخطار مختلف المصالح المختصة لاتخاذ التدابير اللازمة، وفق البروتوكولات المعتمدة في حوادث فقدان البحارة في عرض البحر.
ويأتي هذا الحادث ليضاف إلى سلسلة من الوقائع المماثلة التي شهدتها السواحل المغربية خلال الأشهر الأخيرة، حيث أصبحت حوادث سقوط البحارة في البحر تتكرر بوتيرة تدعو إلى القلق، مخلفة في كثير من الأحيان مآسي إنسانية لعائلات تنتظر عودة أبنائها دون جدوى، في وقت تظل فيه فرص النجاة مرتبطة بالدقائق الأولى بعد السقوط.
وأمام هذا الواقع، يطرح مهنيون ومتتبعون أكثر من علامة استفهام حول أسباب استمرار هذه الحوادث، ومدى الالتزام بتدابير السلامة الفردية على متن مراكب الصيد، وفي مقدمتها الاستعمال الإجباري لصدريات النجاة أثناء العمل فوق السطح، خاصة خلال عمليات الصيد التي تتطلب الحركة المستمرة وسط ظروف بحرية قد تتغير في أي لحظة.
ففي عدد من الدول البحرية، أصبح ارتداء صدريات النجاة جزءاً من ثقافة السلامة المهنية، وشرطاً أساسياً للإبحار، بعدما أثبتت الإحصائيات أن هذه الوسيلة البسيطة قادرة على إنقاذ حياة عدد كبير من البحارة، ومنح فرق الإنقاذ وقتاً إضافياً للوصول إلى الشخص الذي سقط في البحر. أما في قطاع الصيد البحري، فما يزال استعمالها محدوداً لأسباب مختلفة، من بينها العادات المهنية، أو الاعتقاد بأنها تعيق الحركة، رغم التطور الكبير الذي عرفته الصدريات الحديثة من حيث الخفة والراحة.
إن تكرار مثل هذه الحوادث يفرض اليوم فتح نقاش وطني جاد حول السلامة البحرية، ليس فقط من خلال تشديد المراقبة، بل أيضاً عبر مراجعة منظومة الوقاية، وتعزيز التكوين المستمر للبحارة، واعتماد معدات سلامة أكثر تطوراً، وإلزامية ارتداء صدريات النجاة أثناء مزاولة العمل على سطح مراكب الصيد، إلى جانب دراسة إمكانية تجهيز البحارة بوسائل تحديد الموقع الشخصية وأجهزة إنذار فورية تسهل عمليات البحث والإنقاذ.
ويبقى الأمل قائماً في العثور على البحار المفقود، فيما تتجه الأنظار إلى نتائج عمليات البحث الجارية، وسط تضامن واسع من أسرة الصيد البحري، التي ترى في هذا الحادث المأساوي تذكيراً جديداً بأن البحر، رغم ما يمنحه من خير ورزق، يظل فضاءً لا يرحم، وأن حماية العنصر البشري يجب أن تكون في صدارة أولويات السياسات البحرية، حتى لا تستمر حوادث السقوط في البحر في حصد المزيد من الأرواح.




