الصحراء بلوس
تحولت مدينة العيون خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر المدن المغربية التي تعرف ارتفاعًا مهولًا في أسعار العقار والكراء، في مفارقة صادمة لمدينة يفترض أن تستفيد ساكنتها من الامتيازات التنموية والاستثمارات الكبرى التي ضختها الدولة في الأقاليم الجنوبية. لكن الواقع اليوم يكشف أزمة سكن خانقة، جعلت المواطن البسيط عاجزًا حتى عن حلم اقتناء قطعة أرض أو شقة تحفظ كرامته الاجتماعية.
في الوقت الذي كان ينتظر فيه المواطن أن تتحول الأراضي الممنوحة للاستثمار إلى مشاريع تنموية توفر الشغل والسكن وتنعش الاقتصاد المحلي، تحولت مساحات واسعة إلى مجال للمضاربة العقارية والاحتكار، حيث استفاد نافذون ومستثمرون من عقارات بأثمان وُصفت بـ”الرمزية”، قبل إعادة بيعها أو تجميدها لسنوات في انتظار ارتفاع الأسعار.
وتتداول الأوساط المحلية بالعيون معطيات مثيرة للجدل حول حصول جهات نافذة على أراضٍ استثمارية بأثمان قيل إنها لم تتجاوز 30 درهمًا للمتر الواحد، بينما يجد المواطن نفسه اليوم أمام أسعار خيالية تجاوزت قدرته الشرائية، سواء في شراء العقار أو حتى في أداء واجبات الكراء الشهرية. ورغم تداول هذه الأرقام على نطاق واسع، فإنها تبقى موضوع نقاش سياسي وإعلامي يحتاج إلى توضيحات رسمية ومعطيات دقيقة من الجهات المختصة.
ويأتي هذا الجدل بالتزامن مع توسع مشاريع كبرى ومناطق جديدة بالمدينة، خاصة قرب القطب الاستشفائي الجامعي والمشاريع العمرانية الحديثة، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في الطلب العقاري، وفتح شهية المضاربين والسماسرة الذين حولوا العقار من حق اجتماعي إلى تجارة رابحة لا تراعي القدرة الشرائية للساكنة.
ويطرح عدد من المواطنين سؤالا !لماذا لا تتحول أراضي الاستثمار إلى استثمار بشري واجتماعي حقيقي؟ ولماذا لا تفرض الدولة شروطًا صارمة تلزم المستفيدين بإنجاز مشاريع فعلية داخل آجال محددة بدل ترك الأراضي مجمدة أو إعادة بيعها بملايين الدراهم؟
وتزداد المطالب اليوم بتدخل وزارة الداخلية ووزارة إعداد التراب الوطني من أجل فتح ملفات تفويت العقارات الاستثمارية بالعيون، ومراجعة طرق الاستفادة منها، وربطها بالشفافية وتكافؤ الفرص، خصوصًا في ظل شعور شريحة واسعة من الشباب بالإقصاء من حقهم في السكن والاستقرار.
كما يطالب فاعلون محليون بإطلاق برامج سكنية حقيقية موجهة للطبقة المتوسطة والضعيفة، وتشديد المراقبة على سوق الكراء الذي عرف بدوره انفلاتًا كبيرًا، بعدما أصبحت بعض الأسر تؤدي نصف دخلها الشهري فقط لتأمين مسكن متواضع.
المفارقة الكبرى أن جهة العيون الساقية الحمراء تُقدم رسميًا كوجهة استثمارية بعرض عقاري “مغرٍ” لجلب المستثمرين. لكن المواطن المحلي يتساءل: أين نصيب الإنسان البسيط من هذا العرض العقاري؟ وهل يعقل أن تتحول مدينة بأكملها إلى سوق مغلق في وجه أبنائها؟
وتبقى العيون، رغم كل التحولات التنموية التي تشهدها، في حاجة إلى عدالة عقارية حقيقية تضمن تكافؤ الفرص وتحمي حق المواطن البسيط في السكن والعيش الكريم، بعيدًا عن منطق المضاربة والامتيازات، حتى لا تتحول المدينة إلى فضاء مغلق لا مكان فيه إلا لأصحاب النفوذ ورؤوس الأموال..




