الصحراء بلوس : بقلم تقي الله اباحازم
لم يعد ممكناً الاستمرار في الحديث بلغة التوازنات المريحة أو الاكتفاء بخطاب الاحتفاء الرمزي. الواقع أوضح من أن يُجمَّل: الصحافة المغربية تقف اليوم عند لحظة حاسمة، تُختبر فيها مهنيتها، بل ومبرر وجودها ذاته. فحين تتكاثر المنابر بهذا الشكل اللافت، ويضيع المعنى بينها، لا يكون ذلك مؤشراً على قوة الإعلام بقدر ما يعكس حالة من الارتباك. وحين يجد المواطن نفسه غارقاً في سيل من الأخبار المتناقضة، فإن الإشكال لم يعد في الوصول إلى المعلومة، بل في الثقة بها.
لقد انتقل المشهد الإعلامي من زمن الندرة إلى زمن التخمة، لكنه في هذا الانتقال خسر شيئاً جوهرياً: الهيبة المعنوية للخبر. أصبح السبق يُقاس بالثواني لا بالدقة، وصارت الإثارة طريقاً مختصراً نحو الانتشار، حتى وإن كان الثمن هو الحقيقة. وفي هذا السياق، لم يعد الخطأ المهني مجرد استثناء، بل تحول في بعض الحالات إلى نمط متكرر، يُربك الوعي العام ويفتح المجال أمام الشك في كل ما يُنشر.
الأخطر أن جزءاً من المشهد الإعلامي لم يعد يكتفي بنقل الواقع، بل بات يساهم في إعادة تشكيله وفق اعتبارات ضيقة. هنا تفقد الصحافة وظيفتها الأصلية كسلطة رقابية مستقلة، وتتحول إلى أداة تأثير، أو منصة لتوجيه الرأي العام. وعندما يحدث ذلك، فإن الخاسر الحقيقي ليس مؤسسة بعينها، بل المواطن الذي يُحرم من حقه في فهم ما يجري حوله بوضوح ونزاهة.
وفي خضم هذا التحول، يفرض الذكاء الاصطناعي نفسه كفاعل جديد داخل الحقل الإعلامي. صحيح أنه يتيح أدوات متقدمة في جمع المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل يفتح الباب أمام تحديات غير مسبوقة: محتوى يُنتج بسرعة هائلة، صور يصعب التحقق من مصدرها، ونصوص قد تبدو دقيقة وهي في جوهرها خالية من المسؤولية التحريرية. هنا، يصبح الرهان على العنصر البشري أكثر إلحاحاً، لا بوصفه منتجاً للمحتوى فقط، بل كضامن للمعنى والدقة والتمييز.
غير أن هذا الدور لا يمكن أن يُؤدى في ظل هشاشة مهنية واقتصادية مستمرة. فالصحافة التي تعاني من ضعف الموارد، وتشتغل تحت ضغط الاستمرارية، تجد نفسها في كثير من الأحيان مضطرة للموازنة بين الجودة والبقاء. لذلك، فإن أي حديث عن إعلام قوي ومسؤول يظل ناقصاً دون توفير شروط ممارسة كريمة، تضمن الاستقلالية وتُعزز الاحترافية.
من هنا، يتضح أن التحدي لم يعد جزئياً أو ظرفياً، بل يرتبط بإعادة تعريف شاملة لدور الصحافة داخل المجتمع. فالمطلوب اليوم ليس المزيد من الأصوات، بل صوت يُوثق به. ليس تدفقاً أكبر للأخبار، بل معلومة تُحترم. وليس توسيع هامش النشر فقط، بل ترسيخ معنى المسؤولية في كل ما يُنشر.
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا يكتمل معنى الاحتفاء دون لحظة نقد ذاتي صادقة. لأن الخطر لا يأتي دائماً من القيود الخارجية، بل قد ينبع من داخل المهنة نفسها، حين تتراجع تدريجياً عن معاييرها، وتفقد قدرتها على التمييز بين ما هو مهني وما هو عابر.
إن الأسئلة المطروحة اليوم ليست نظرية، بل عملية ويومية: هل ما زالت الكلمة تُنير، أم أصبحت تُضلل؟ هل تُقرب الصحافة المواطن من الحقيقة، أم تُغرقه في مزيد من الشك؟ الإجابة تُكتب كل يوم في غرف التحرير، في اختيار العناوين، في دقة المعالجة، وفي شجاعة الاعتراف بحدود المعرفة.
الرهان، في جوهره، ليس إنقاذ قطاع بقدر ما هو إنقاذ وظيفة: وظيفة الإعلام كوسيط نزيه بين الواقع والمجتمع. فإذا ضعفت هذه الوظيفة، لن يفيد تعدد المنابر، ولن تعوض سرعة الوسائط الرقمية غياب المعنى. لأن الأمم لا تتراجع حين يقل الكلام، بل حين يفقد قيمته.
الصحافة المغربية تقف اليوم أمام مفترق واضح: إما أن تستعيد مكانتها كسلطة معرفة تُنير الطريق، أو تواصل الانزلاق لتصبح مجرد صدى عابر في فضاء مكتظ بالأصوات. وفي هذا الاختيار، لا يتعلق الأمر بمستقبل المهنة فقط، بل بمستقبل الوعي المجتمعي برمته. لأن الحقيقة، حين تُهمَّش، لا تختفي… بل تُترك بلا من يدافع عنها.




