جهة كلميم وادنون… ركود تنموي وهيكلة مشلولة رغم الميزانيات الضخمة

هيئة التحرير10 يوليو 2025آخر تحديث :
جهة كلميم وادنون… ركود تنموي وهيكلة مشلولة رغم الميزانيات الضخمة

الصحراء بلوس- فاطمة الزهراء غزال

تعد جهة كلميم وادنون من أكثر الجهات تهميشا ، حيث تعيش وضعا تنمويًا بالغ التعقيد، في ظل تراجع مؤشرات التنمية البشرية، واستمرار البطالة، وضعف البنية التحتية، وغياب العدالة المجالية بين الأقاليم الأربعة المكونة لها: كلميم، طانطان، سيدي إفني، وأسا الزاك.

 

وفي تصريح لعدد من المواطنين المحليين، عبّروا عن استيائهم من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، مؤكدين أن الجهة تعرف بطالة مرتفعة بشكل غير مسبوق، ما جعلها تتصدر قائمة الجهات الأكثر تضررًا على المستوى الوطني.

وقد سجلت جهة كلميم وادنون نسبة بطالة بلغت 31.5% خلال سنة 2024، وفقًا لإحصائيات المندوبية السامية للتخطيط، وهي نسبة تُعد الأعلى على الصعيد الوطني، في وقت لا يتجاوز فيه المعدل العام بالمغرب 21.3%.

وفي ظل انسداد الأفق، وغياب فرص الشغل، وارتفاع البطالة خصوصًا في صفوف حاملي الشهادات، لجأ عدد من شباب جهة كلميم وادنون إلى الهجرة غير النظامية عبر “قوارب الموت”، في رحلات محفوفة بالمخاطر نحو الضفة الأخرى من المتوسط.

وأكدت مصادر من المجتمع المدني أن العشرات من أبناء الجهة، خاصة من طانطان وكلميم وسيدي إفني، فقدوا حياتهم في عرض البحر، بعد أن قرروا خوض تجربة الهجرة يائسين من واقعهم الاجتماعي، ومن غياب أي أمل في التغيير.

وتابع عدد من الفاعلين الحقوقيين أن هذه الظاهرة أصبحت تمثل كارثة إنسانية، وتشكل مؤشرًا خطيرًا على عمق الأزمة التي تعيشها الجهة، حيث لم يعد الشباب يرون في الوطن مكانًا يضمن لهم الكرامة والعيش الكريم، ما يفتح الباب أمام مزيد من التهميش والانفجار الاجتماعي

وتعتبر هذه  الأرقام الصادمة  غير منطقية في ظل  غياب رؤية اقتصادية واضحة لدى المجالس المنتخبة، وفشل البرامج التنموية التي رُصدت لها ميزانيات ضخمة دون أن تُحدث فرقًا في حياة السكان.

 

 

وفي السياق ذاته، أكد فاعلون محليون أن ميزانية جهة كلميم وادنون بلغت خلال سنة 2025 ما مجموعه 485.4 مليون درهم، تم التصويت عليها من قبل مجلس الجهة في أكتوبر 2024، إلا أن أغلب هذه الأموال لم تُصرف في إنجاز مشاريع حقيقية، بل تم توجيهها نحو تمويل مهرجانات استعراضية وسفريات وامتيازات لأعضاء المجالس الجهوية والإقليمية.

وتابع المتحدثون أن هذه المهرجانات التي تُنظم في ظل أوضاع اجتماعية مزرية تُعتبر استفزازًا لمشاعر المواطنين الذين يفتقرون لأبسط شروط العيش الكريم، من مستشفيات مجهزة، ومرافق تعليمية صالحة، وشبكة طرق لائقة.

 

وفي تصريح لأحد الأطر الصحية بإقليم طانطان، أكد أن المستشفيات الجهوية تعاني من خصاص مهول في الأطر الطبية والتجهيزات، ما يدفع المرضى إلى التنقل مئات الكيلومترات نحو مدن أخرى للعلاج، وهو ما يُناقض مبدأ المساواة في الولوج إلى العلاج الذي يكفله الدستور المغربي.

وتابع المصدر أن التأخر الكبير في إنجاز المستشفى الجامعي بالجهة يُعد عنوانًا لفشل السياسات الصحية، مضيفًا أن أغلب الأطباء يرفضون الاستقرار في كلميم وادنون بسبب غياب التحفيزات وانعدام الشروط المهنية.

أما في قطاع التعليم، فقد كشفت شهادات عدد من الأساتذة عن معاناة المؤسسات التعليمية من الاكتظاظ ونقص الموارد البشرية، فضلًا عن غياب التجهيزات والبنية الأساسية، مما ساهم في ارتفاع نسب الهدر المدرسي خاصة في العالم القروي.

 

وتعد المراكز الحضرية الكبرى بالجهة مثل كلميم وطانطان من أكثر المناطق التي تشهد اختناقا عمرانيا ومشاكل بيئية متفاقمة، حيث تعاني من غياب محطات التطهير وانتشار البناء العشوائي والفوضى في الأسواق والمرافق العمومية.

وفي المقابل، تعيش المناطق القروية والجبلية في عزلة تامة، خاصة خلال فصل الشتاء، حيث تنقطع الطرق وتغيب الخدمات الأساسية من كهرباء وماء وتعليم وصحة، مما يجعل سكانها يشعرون بأنهم في الهامش.

 

وأكد عدد من المهتمين بالشأن المحلي أن الوضع المتردي الذي تعيشه الجهة يعود بالأساس إلى ضعف آليات المحاسبة، وانتشار الزبونية والولاءات السياسية، حيث تحوّلت مؤسسات التسيير إلى أدوات لخدمة المصالح الشخصية بدل تنمية المنطقة.

وتابعوا أن غياب الرقابة والمحاسبة الصارمة جعل رؤساء الجماعات والمجالس الجهوية يستمرون في نهج سياسات “الريع السياسي”، مستغلين الموارد العمومية في سفريات خارج الوطن، وهدايا باهظة، وسيارات فارهة، دون أن يُقدموا حصيلة تنموية ملموسة.

 

وفي ظل هذا المشهد القاتم، ترتفع أصوات المجتمع المدني منادية بضرورة محاسبة كل من تورط في هدر المال العام وتعطيل مسار التنمية، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي دعا إليه جلالة الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة، وجعله حجر الزاوية في بناء نموذج تنموي جديد.

وجدير بالذكر أن نسبة كبيرة من ساكنة جهة كلميم وادنون لم تعد تثق في الخطابات الرسمية ولا الوعود الانتخابية، معتبرة أن سنوات الانتظار لم تجلب سوى المزيد من التراجع في جودة الحياة وتدهور جميع المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية

وفي ظل هذا الوضع لا يزال المواطن ينتظر تدخل الدولة من أجل إطلاق مرحلة جديدة قوامها الشفافية والمحاسبة والتنمية العادلة تضع حدًا لسنوات طويلة من الإقصاء والتهميش وتعيد الأمل لساكنة جهة تعتبر من أغنى المناطق من حيث المؤهلات لكنها أفقرها على مستوى التنمية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة