خَيْبَةُ نزوحٍ وتشكيل لصحراء جديدة

9 مايو 2021 - 12:35 م

 

 

الصحراء بلوس :لارباس الركيبي

 

 

ذات سَنةٍ بمنتصف سبعينيات القرن الماضي ، لما اِكفهرَّت سماءُ أرضنا بحرب ضروسٍ بين الاشقاء عروبة ومذهبا ، باتَ سَنَا برْقُها يَخْطِفُ الأبصارِ ويفزِعُ القلوب ، سيقَ آباؤنا قسْرًا وهُجِّروا من رسومِ ديارهم ، بعد أن أُبِيدتْ مواردُ رزقهِم و مواشِيهم برصاصِ حرب الإخوة ، نحوَ حياةِ تمدُّنٍ جديدة مكرهين غير آلفِينَ قيودَها ، حاملين في وجدانهم مساحة تفكير لم تَضِقْ بدِمَنٍ ومرابِعَ وسِعَتْهُمْ سِنِينَ دأَبًا .

فأصبحوا في المدينة خائفين يترقبون مستقبلهم المظلم وهم الذين جُرِّدُوا من كلِّ شيء : أموالُهم ، خيامُهم ، أنعامُهم وحتى مخطوطاتِهم من كتبٍ وعقودٍ ومؤلفاتٍ وشروحٍ … أٌحْرِقتْ كيْ لا يأنسَ الأحفادُ بتاريخٍ الأجداد ، طمسٌ بَدا أنَّهُ مُمَنْهَجٌ لمَحْوِ ما قدَّموا وآثارِهمْ حَذَرَ اقْتِفَائِهَا .

 

_مجبر أخاك لا بطل

 

هناكَ على مشارِفِ “إيوِينَة” “بوجدور” ، وجدَ آباؤنا أنْفُسَهَمْ مجبَرِينَ على التكَيُّفِ مع فصْلٍ جديدٍ من فصولِ الحيَاةِ ، فَصلٌ سَيختزِلُ حرية التجوالِ والحركةِ في بضعِ كيلُمتراتٍ مربعة ، مُسَيَّجةً بجِدارٍ رملي والحربُ لم تضع أوزارَهَا بعدُ ، فمنهم من جُنِّدَ كَرْهًا ليرفعَ السلاحَ في وجهِ أخٍ له بعد ما كانَا يشتركان بالأمس أواصرَ العِرْقِ و المَنْبِتِ والثقافةِ والدّينِ والْهوى ، ضمنَ حربٍ سيتضحُ فيما بعد أنّ المنتصرَ فيها مهزوم ، ومنهم من تُرِكَ لُيُسْهِمَ في قيادةِ مشروعِ نواةِ المدينة مع وقفِ التنفيذْ .

 

التكييف المقنّن .

 

هناكَ على مشارفِ إيوينَة سنة 1976 و تحت خيمة تقليدية في حضرة أول عامل بالإقليم المسمى قيد حياته بوشعيب الزقوري سيدخل مشروعُ التأسيسِ حيِّز التنفيذِ ويتأسس الإقليم ، ليدخل المدينة رهْطٌ متزلفون نصَّبوا أنفسهم أوصياء على ساكنة حديثة العهد بالتمدن ولا زالت تحتفظ لنفسها بقيم الشهامة والإباء ، بيدَ أن الأخبارَ ستسيرُ بما غاب عن الأنظار فيما تلاَ من زَمَنٍ ، وسيسْطٌعُ نجم هؤلاء كأنَّ لا نجمًا ثاقبا كان قبلهم يضيء عتمة المسير وهم الحربائيين الذين عاثوا بإسم الطرفية ، ويُسهمونَ في إثارة الشنآنِ والعنصرية المقيتة بمباركة من قوى أخرى لها المصلحة الفُضْلَى في التشرذم وتقسيم المغرب الكبير لإمارات ، وبما أن المصائبَ لا تأتي فُرادَى عاشتِ الساكنَة الحربَ حربَيْنِ ، حربٌ ذَهبتْ بفلذاتِ الأكبادِ من صفوةِ “آفْكاريشْ” جُزافًا في ساحاتِ الوغى ، وأخرى عصفت بحُلْمِ بناءِ إقليمٍ يُسْهِمُ الجميعٌ في تشييدِ بُناهِ ، أمام ركمجَةِ أولئكَ الرَّهْطِ الذين تنكَّروا لأولياء نِعْمَتِهمْ والشمس في كبَدِ السماءِ دون استحياء .

هناك على مشارف إيوينَا في الفترة الممتدة ما بينَ 1976 و1984 سأفتح قوسا على السريع ليس انتقاما لكن تذكيرا حتى لا ينسى أو يتناسى أحدهم حيث ستعيش ساكنةُ بجدور سِنونًا عشْرًا من عُمْرِ الحَرْبَيْنِ تكالب فيها الزمان والمكانُ والرهط معًا ، فكانوا محورَ شرِّ قضّ مضجعَها آنذاك ، وهي مُتَشَكّلَةٌ هندسيا على نحو مستطيل متألف من ” فركان” اتُّخِذَ بعضُها شرقا كدروعِ بشرية في خرق سافر للقيم الإنسانية وأواصر القرابة ، فكانت النتيجة أكثر أيلاما مع سقوطِ ضحايا من النساءِ والأطفال والشيوخ في حدث “الفجْرَايْتَيْنْ” وسقوط القنبلة على منزل بحي النهضة عقب ذلك بسنوات ، لن أسْهِبَ في وصفِ ما حدثَ من شططِ مارسَهُ الرَّهْطٌ فلربما سينالون الجزاءَ بما كسَبوا يومَ تشْخَصُ الأبْصار.

 

_تأسيس المؤسسات وتثبيت المواطن .

 

هناك على مشارفِ ” إيوينا” سنتين تقريبا بعد التأسيس المُرتَجلِ وفي عهد عامل الإقليم عبد الله ول الخطاط تحديدا ، ونظرا لعدم توفر الإقليم على مرفأ “أمَّيْلْيَ” ترسو به السفنُ المُحَمَّلةُ بالمواد الغذائية لـساكنة “الفرْكانْ” ، ولأن توالي الضربات العسكرية على الإقليم فاق التصور ، بدأت السلطات المركزية التفكير في تحويل مركز الإقليم إداريا إلى منطقة “لبلايا” ( مرسى العيون حاليا ) مراعية الظرف الجيوسياسي المعاشِ حينها وما يتطلبه الأمر من تموين الساكنة المُسْتحدثة ، فاختفى الرهطٌ ولم يُبْدِ أيٌّ منهم تهكما أو اعتراضا على فكرة الانتقال ، فبرزَ ثمانُ أبطالٍ من رحمِ “فركانْ إيوينة” أعلنوا استعدادهم يومئذ دخول البحر والمغامرة بأرواحهم لإفراغ حمولة السفن ، وأُجْهِضَتْ فكرةٌ نقلِ الاقليم من مكانه ، نَعَمْ ثمانيةُ أبطالٍ تَنَكَّرَ لهمُ الرهطُ ولم يتنكَّرْ لهم التاريخُ ، منهم من قضى نحبهُ ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا وذلك ليس إلا تصويبا لمقام الدولة وتمركزها ونكرانا لذات الاهل في إستتباب الأمن أمام سياسة الخاسر رابح والرابح خاسر لكن دونما تحقيق الأمن تحت راية المغرب العربي فالجميع خاسر فكانوا معتبرون لقومية عربية لا يهمهم غير المؤهل البشري وتأسيس المؤسسات .

 

_متلازمة البداوة وقهر التمدن .

 

سأختزلُ الزَّمنَ قليلا في السرد ، رأفة بالقلوب الضعيفة ، هناك على مشارف إيوينة سنة 1984 بدأ تدريجيا رفع الحظر المكاني أمام “فركانْ ” لم تعد تحتمل قيود الحصار، فتَّم فتح “السَّنتور” وتنفسّتِ الساكنة الصعداء مع تراجعٍ لمستوى حدة الحرب شرقا ، ولأن جلَّ الساكنة لم تجد في التمدن راحة بدأت في النزوح مرة أخرى نحو البداوة علَّها تأنسُ وتَقِفُ بأطلالٍ مضى على هجرها ردحٌ من الزمن، ليستغل الرَّهْطُ هذا النزوح ويجعلوا أنفُسَهُمْ على خزائنِ الأرْضِ ويعيثون فسادا في الآف الهكتاراتِ من مساحتها ، وَيُمَكِّنوا لأنفسهمْ في مراكز القرار.

 

عصرنة النزوح .

 

هنا بدأ فصل ثالث من تشكيل بجدور والصحراء بصفة عامة لأن سياق بجدور ليس بمعزل عن المنطقة ككل وتحديد لجغرافية المدينة ليس إلا إنطلاقا منها للوقوف على شذرات تاريخية توحي لنا بما عاشته الصحراء قاطبة ، ليبقى حاضرا حتى كتابة هذه السطور ، أضحت فيه القضية حديث الساعة يرقب الكل مستجداتها هناك قمم ومؤتمرات وموائد مستديرة وسياسات خارجية وقنصليات تسير من طرف دول خارجية ومعنية بالصراع الأساسي فيها والفيصل المملكة المغربية التي أبت إلا أن تشيد ما بدا لها صالحاً سياسيا وتعيد للأذهان سياسة تعمير وتنمية للمنطقة وتحويرها من منطقة خلاء الى منطقة غنية ووجه سياحية وسياسية في كل منعطف يخص قضية الصحراء تتوجه الأنظار إليها ، بقي حاضرا المد الحقوقي أمام أنظار بعثة الأمم المتحدة لتأتى أحداث تفاقم الوضع ولعل أبرزها أحداث 1999 بقيادة الطلبة وسنة 2010 مخيم أكديم إيزيك والذي كانت قد أشهرت المطالب الإجتماعية في وجه مؤسسات الدولة لتستجيب هذه الاخيرة ، ويدخل المغرب في سياق ٱخر بعد إنضمامه للإتحاد الإفريقي وهو يجلس على كرسي مقابل ممثل جبهة البوليساريو وذلك وفق نظرهم في إطار حلحلة القضية وإرجاع الصحراويين المغرر بهم من طرف الجزائر إلى جادة صوابهم ، قنصليات هي الٱخرى أضحت سنة إنتهجتها السياسة الخارجية لمركزتها ببعض المدن ، من دول حليفة على مرمى من أنظار جبهة البوليساريو وحليفها الجيوسياسي الجزائر .

خرق وقف إطلاق النار أو إستتباب الأمن .

منطقة الݣرݣرات على الحدود المغربية الموريتانية وهي منطقة عازلة والتي كانت عنوانا لصحف وطنية ودولية وأزمة خانقة سياسيا وإقتصاديا بعد مضي أكثر من 20 يوم على نزوح مواطنين من جبهة البوليساريو ، أتوا من جنوب الجزائر محملين بنوايا وقف الصراع الذي طال أمده لأزيد من أربع عقود فأوقفو سير المعبر الذي يربط بين الجارة موريتانيا والمملكة المغربية ، بحكم تواجدها بالصحراء وهي التي تبسط نفوذها على كامل ترابها لنعود بالتاريخ ل سنوات الجمر والرصاص ، يقودنا كل هذا إلى النظر بعين المتمعن في هذا المنعطف الذي جعل المملكة المغربية تتدخل يوم 13 من نوفمبر 2020
وتفض خيام النازحين تحت وابل من تهديدات البوليساريو وأمام نظر بعثة الأمم المتحدة التي كانت تراقب عن كثب المعتصم بل وحاولت جاهدة فضه وإستتباب الأمن وإمتصاص الغضب ، تدخلت الدولة بدعوى عملية تشطيب وتعبيد الطريق الرابطة بين موريتانيا والمغرب وهي 8 كلمترات تعد منطقة عازلة مما جعل البوليساريو تسحب مواطنيها وتعود إلى مناطق ٱمنة تحت نفوذها الذي تعتبر 20٪ من أرض النزاع .
في ما تقول المملكة المغربية أن قضية الصحراء تعتبر جزء من وحدتها الترابية بل وأعدته سلفاً أحد الثوابت المقدسة للدولة ولا جدال فيها ، فكانت محطة الݣرݣرات من المحطات التي حركت مياه القضية مؤخرا ليدعوا مجلس الأمن بذلك البوليساريو والمغرب إلى تحكيم العقل والحكمة في حلحلة الصراع ودعوة الجيران أيضا الذين يعتبرون جزءا من الصراع وملزمين بدفع عجلة الحل الواقعي والسليم لهذا الصراع القائم ، هذا في ما بث رئيس الولايات المتحدة قرار الإعتراف بسيادة المملكة المغربية على كامل ترابها الوطني لتكون ضربة موجعة للحلف الٱخر تليه محطة لݣويرة في إطار استكمال الوحدة وكمدينة تعتبر جزء لا يتحزأ من المغرب وبه اكدت المملكة سعيها إلى إعمارها وتشييد مشاريع تنموية تهم المؤهل البشري الصحراوي .

 

إلى حدود الساعة ندخل في الفصل الرابع من الخيبة خيبة المجتمع بالدرجة الاولى الذي يسكن المنطقة وتسكنه بعيدا عن سياسة خارجية أو داخلية وكل همه أن يعم السلم والأمن وأن لا تكون قضية الصحراء يافطة يعلق عليها الجميع حبه وعطفه على ساكنة الإقليم وكل من له نية مبيتة في الإنفصال أو الإنضمام تحت مقترح الحكم الذاتي يدعوا الصحراويين إلى الإلتفاف ليصنع منهم سدا وحصنا منيعا يتقوى به ويصل لمراتب عليا . ويبقى لسان حال الصحراويين ” خيراتنا كفيلة بتشغيلنا” سياسة يدفع ثمنها الجيل الصاعد بعد أن دفعت أجرة زمارها الأجيال السابقة الذين عاشو النكبة تلو الٱخرى ساعين إلى صنع تاريخ بعيدا عن حنظل السياسة الذي شرب منه الجميع دون إستثناء فلا نحن هنأنا بمغرب جديد ٱخر ولا نحن بقينا رحل نستجدي خالقنا صلاة إستسقاء ولا إستطعنا كسب ود مخيمات اللاجئين الذين دفعوا بدورهم ضريبة عنوانها الحرية والتهجير القسري .

مغرب جديد .

 

لكن آن الآوان لإيقاف عجلة الزمن وصنع للحظة تاريخية هرمَ البعض منا لعيشها ، لحظة نعيشُها نحنُ أهل الصحراء كالجسد الواحد آملين في غدٍ أفضل لإقليم أنهكه المراودون والمتربصون الذين أنقضى أجلهم السياسي -ولن يؤخرا الله نفسا إذا جاء أجلها- ، فليلهم القاتم السواد حتما سينجلي بصبح كل شاب مثقف واعٍ ترك ما تراوده عليه نفسه جانبا ووراءه لضعاف النفوس وعاقِدًا العزمَ أن تَسْعَدَ الصحراء ليكون خير ما أبدأ به مثال مصغر عن تاريخانية مدينة جزء من إقليم عاش وعاش وعاش من الويلات ما بدا أنه لن يضمضه إلا طبيب فاره في تضميد الجراح وتطبيب للكسر الغائر في التاريخ من بجدور وإلى المغرب وإلى شمال إفريقيا علاقة تأثير وتأثر لا يمكن البت الإغفال فيها عن رقعة جغرافية لها هذا التاريخ الأليم أملا في عيش غد أفضل ومغرب عربي يسكنه الجميع ويتسع للكل .

إيوينا : كلمة حسانية تطلق على كل منطقة تطل على البحر أو تعتبر شاطئ .

مشاركة فيسبوك تويتر واتساب
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .